الخميس، 8 فبراير 2018

بداية نهاية الزمان : الملحمة الكبرى مع اليهود وأوهام ( هرمجدون ) للباحث : عبد الوهاب الجبوري // العراق

بسم الله الرحمن الرحيم
بداية نهاية الزمان : الملحمة الكبرى مع اليهود وأوهام ( هر مجدون )
الباحث د. عبدالوهاب الجبوري 
المقدمة
حدثني شاعر فلسطيني صديق قائلا : هناك نبوءة تتردد بين كبار السن من الرجال والنساء في فلسطين ، مفادها أن الذي سيحرر فلسطين قوة تأتي من الشمال ، وهم متفائلون بهذه النبوءة التي يعتقدون بأنها ستتحقق يوما ما بعون الله . عدت إلى البيت وأحضرتُ خارطة الوطن العربي ووضعت يدي على خارطة العراق وحركتها يسارا بخط مستقيم فوجدت العراق يقع شمال فلسطين وشرقها . ونحن وان كنا نعتقد بان العراق لن يكون بعيدا عن معركة تحرير فلسطين ، لكن المقصود بقوة من الشمال أو الشرق هو أن العرب والمسلمين سيتحشدون في الشمال والشرق وفي طليعتهم المسلمون في العراق ثم تبدأ الملحمة الكبرى وهي المعركة الفاصلة مع اليهود كما نبأنا بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيختبيء اليهودي وراء كل شجر وحجر ، فيقول الشجر والحجر : يا مسلم يا عبدالله ، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا شجر الغرقد ، فانه من شجر يهود " رواه الشيخان . أما الغرب واليهود فيعتقدون بوقوع معركة ستحصل في آخر الزمان أسموها ( معركة هر مجدون ) ، رسموا سيناريوهاتها وأساليبها كما يتصورون ويتمنون ، ونحن هنا عندما نتحدث عن هذه المعركة وما يخططون له من برامج وخطط ومشاريع تستهدف العرب والمسلمين فإننا نتوخى التعريف بهذا الخطر ، وان قراءة لمصطلح (هر مجدون ) كنظرية سياسية وعقيدة صهيونية معاصرة ، تكشف لنا عميقا عن حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن المركب السياسي اليهودي الراهن قد انبثق من مجموعة تراثية سوداوية حاقدة على كل الحقائق والأصول ، كما تكشف بتركيبتها الأسطورية وطابعها القبلي عن حالة انفصام نكده مع الأمم والتاريخ ونقيضا للشكل التاريخي في المحيط الأوربي والأمريكي ، وهذه المعركة التي رسموا صورتها كمركز ودائرة للصراع المقبل تجيء صورة لحملات التضليل اليهودية وللتصورات المزيفة والهادفة لحشد التأييد العالمي لإسرائيل ، ومن جملة الدلالات في مصادرنا العربية والإسلامية– كما سنرى في سياق دراستنا هذه - سنرى أن الصورة المثلى لهذه المعركة ليست إلا وهما لليهود ، يأتي في سياق جملة المخططات الماسونية لإشاعة روح المذلة اليهودية بين قوى الغرب والحكومات المؤيدة (لدولة إسرائيل) وزرعها كقوة غاشمة في المنطقة وفي فلسطين بالتحديد . ومن متابعتنا لهذا الموضوع نجد الدعاية اليهودية الصهيونية ، حول هذه المعركة ، قد أثرت في كثير من الغربيين ، مسؤولين ورأي عام ، وأقنعتهم بحججها ومسوغاتها حتى أن قادة عسكريين غربيين ، كما كشفت عنه ( جريس هانسل) في كتابها (النبوءة والسياسة ... ) (1) ، يجمعون على أن الاهتمام بهر مجدون ، يرجع إلى أن هذه المنطقة تشكل موقعاً استراتيجياً، يستطيع أي قائد يستولي عليه أن يتصدى لكل الغُزاة على حد تعبيرها . ويُظن أن هذا السبب المذكور يكشف لنا سرّ تمكين الغرب لليهود من إقامة دولة بأرض فلسطين واستماتتهم في الدفاع عنها ، لأن هذه الدولة الغاصبة ، التي وافقت أطماعها أطماعه ، يعتقدون أنها قاعدة عسكرية لهم في ( هر مجدون) ولهذا راحوا يخططون للمرحلة القادمة من المواجهات المحتومة بنظرهم ، وهذا يفسر مواصلتهم العدوان والتخطيط للتوسع ، وبالتالي فان (هر مجدون ) معركة منتظرة او متوقعة في عقائد الغرب والصهيونية ويبدو ان الغرب واليهود مازالوا يخططون لها منذ زمن وهم مستعدون لخوض غمارها ويعتبرونها من المعارك الحتمية الفاصلة .
لا يقاتل اليهود إلا من وراء جدر
وعن حال اليهود يقول الله تعالى : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)( الحشر :14)، فهذه الآية الكريمة تصور الصفة التي عليها اليهود ، والتي لا تتغير ولا تتبدل . كانت فيهم قديما ، وهي قائمة اليوم ، وستبقى حجة عليهم إلى يوم القيامة . إنها صفة الجبن والخوف التي جبل عليها اليهود ، فهم أحرص الناس على حياة ، وهم أكثر الشعوب خوفا من الموت ، يود أحدهم لو يُعمر ألف سنة ، وهذا اللفتة المعجزة تنطبق اليوم على تصرفات اليهود في فلسطين كما انطبقت عليهم في الماضي . فهم لا يواجهون جيل الحجارة إلا من وراء آلياتهم المصفحة بالرغم مما يملكون من أسلحة فتاكة متطورة ، وعندما توالت العمليات الاستشهادية ، واهتزت قلوب اليهود وأفئدتهم خوفا ورعبا ، لجئوا إلى سياسة تحصين المدن والمستوطنات ، والى بناء ما أسموه بأنفسهم ( الجدار الواقي ) لينفذ فيهم حكم الله تعالى وقضاؤه ، وليصدق قوله : ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قلوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبون بُيوتَهم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ )( الحشر :2) . إنها بداية تحقق المعجزة ، وظهور النبوءة ، واقتراب الوعد الإلهي بانتصار المسلمين على اليهود ، فهذه المعركة، كما ينبئ بها الحديث الشريف ليست معركة وطنية ولا قومية، إنها معركة دينية، وهي ليست معركة بين العرب والصهاينة كما يقال اليوم، وليست معركة بين اليهود والفلسطينيين، أو بينهم وبين السوريين أو العراقيين أو المصريين. إنها معركة بين المسلمين واليهود ، هذا ما جاء في الحديث بصريح العبارة(2) .
شواهد من القران والسنة على ذل اليهود وهزيمتهم
ونهاية اليهود وذلهم وعذابهم في الأرض أمر محتوم ، وقد بين الله سبحانه وتعالى سنته فيهم إلى قيام الساعة ، وهذا بعض مما يثبت ذلك :
1 . تشريدهم في كل مكان : قال تعالى : (وقطعناهم في الأرض أمماَ ) (الأعراف: 168) .
2 . الذل الدائم : وقد جعلهم الله دائما أذلاء مهانين ، حيث قال عز وجل : ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)(الأعراف: 112) .
3 . العذاب الدائم: والله عز وجل تعهد في القرآن الكريم أن يعذبهم في كل العصور ويبعث عليهم من يتسلط عليهم ويذيقهم ألوان العذاب حيث قال عز وجل :( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )(الأعراف:167) .
4 . العلو مرتان والهزيمة الأخيرة: في سورة الإسراء يقول الله عز وجل: ( وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا )( الإسراء :4-7) .
5. استمرار اليهود: فلن يقضى على اليهود نهائياً في الأرض ولكنهم سيشردون فيها مصداقاً لقوله تعالى: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا )( الإسراء:8) ، وهذا تهديد ووعيد من الله تعالى أن عادوا لإفسادهم في الأرض فإن الله سيعود عليهم بالعذاب والتشريد.
6 . قوله عز وجل : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)( التوبة :33) . تبشـرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره و حكمه على الأديان كلها ، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين ، وليس كذلك – حسب أهل العلم - فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق ، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا يذهب الليل و النهار حتى تعبد اللات والعزى ، فقالت عائشة : يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) أن ذلك تاما ، قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله " ، رواه مسلم وغيره .
7. خروجهم مع الدجال : وهناك أدلة كثيرة تدل على بقاء اليهود في الأرض منها حديث الدجال ، قال صلى الله عليه وسلم : " يتبع الدجال سبعون ألفاً من يهود أصفهان عليهم الطيالسة "‏ صحيح مسلم رواه عن انس بن مالك رضي الله عنه .
8. قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله زوى ( أي جمع و ضم ) لي الأرض ، فرأيت مشارقها و مغاربها و إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " رواه مسلم و أبو داود والترمذي .
9 . قوله صلى الله عليه وسلم " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام و ذلا يذل به الكفر " ، رواه ابن حبان في صحيحه وأبو عروبة في( المنتقى من الطبقات ).
10 . عن أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق ، قال : فأخرج منه كتابا قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أي المدينتين تفتح أولا ألقسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مدينة هرقل تفتح أولا . يعني قسطنطينية " . مسند أحمد : المجلد الثاني ، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ، سنن الدارمي : كتاب المقدمة - باب من رخص في كتابة العلم .
11 . المعركة الفاصلة مع اليهود : إن حديث مقاتلة اليهود :" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيختبيء اليهودي وراء كل شجر وحجر ، فيقول الشجر والحجر : يا يا مسلم يا عبدالله ، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا شجر الغرقد ، فانه من شجر يهود " رواه الشيخان ، حديث صحيح ، لكنه لا يدعونا إلى التواكل والقعود حتى يخبر الحجر والشجر عن مكان اليهود، بل يحثنا على العمل والأخذ بالأسباب حتى تتوافر فينا شروط العبودية لله، كي ينادي علينا الحجر والشجر، ويقول يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله ، وهذا الحديث الشريف هو من أعلام نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وقد مضت قرون، وقارئ هذا الحديث يعجب مما تضمنه من نبأ لا ينبئ عنه الواقع الملموس لحال المسلمين وحال اليهود، منذ عصر النبوة ، فقد كان اليهود في ذمة المسلمين وحمايتهم، وقد اضطهدوا في كل أنحاء العالم، ونبذهم أصحاب الملل كلها، ولم يجدوا دارًا تؤويهم وتحوطهم إلا دار الإسلام، ولم يجدوا من يحميهم ويذود عنهم ويوفر لهم حريتهم الدينية والمدنية إلا المسلمين، الذين اعتبروهم أهل كتاب، وأعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وذمة جماعة المؤمنين.
ورب سائل يسال إذا كان الأمر كذلك ، فكيف يحدث قتال بينهم وبين المسلمين؟ وكيف يقاتل الإنسان من يحميه ويعيش في كنفه؟ ومن أين لهم القوة حتى يقاتلوا المسلمين؟ الاجابة على هذه التساؤلات وغيرها ، هو أن اليهود نكثوا العهود مع المسلمين منذ عصر النبوة وحتى الوقت الحاضر وطعنوا بالمسمين والعرب الذين آووهم ورعوهم ، وقاتلوهم واعتدوا عليهم وغدروا بهم ، كما تآمروا وتحالفوا مع أعدائهم فحاربوهم بكل الوسائل والأساليب واغتصبوا ارض فلسطين ودمروها وشردوا أهلها واستباحوا حرماتها ودنسوا الأقصى الشريف وراحوا يعملون على هدمه ، حتى استحقوا لعنة الله وعذابه لهم في الدنيا والآخرة ، وهكذا يمكننا القول أن قتال اليهود بدأ عمليا منذ الهجرات اليهودية إلى فلسطين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وإقامة المستوطنات اليهودية ، على حساب العرب وأراضيهم وممتلكاتهم ثم محاربتهم وطردهم من أراضيهم بالتعاون مع بريطانيا أولا ثم مع أمريكا لاحقا ، والتاريخ يحدثنا عن المذابح الكثيرة التي ارتكبها اليهود ضد العرب في فلسطين قبل الإعلان عن اغتصابها عام 1948 ومازالت حتى الوقت الحاضر(3) .
معركة هر مجدون ( حسب المصادر الغربية )
كثر الحديث في نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي عما يسميه اليهود والغرب (معركة هرمجدون) وأخــذت وسائل الإعلام الغربي تبث البرامج المنظمة عن هذه الأسطورة . فهذه الكلمة تسيطر على أدمغة المثقفين من الغربيين خاصةً رؤساء أمريكا، بل تعتبر المحرك الأساسي والموجه الرئيسي للسياسة الأمريكية والغربية عموماً، وقد تعددت الآراء بشأن هذه المعركة وقرب موعدها . تقول الكاتبة الأمريكية (جريس هانسل): (أظهرت دراسة لمؤسسة سن لنسن نشرت في تشرين الأول 1985 أن واحداً وستين مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى مذيعين يبشرون على شاشات التلفزيون الأمريكي بقرب وقوع معركة هرمجدون، وبأنها ستكون معركة نووية، وأن الشعوب المسيحية يجب أن تستعد لخوض هذه المعركة الرهيبة)(4) . وفي استطلاع للرأي أجراه الواعظ الأمريكي (هال لندساي): (أثبت أن 72.5% من الأمريكيين أكدوا أنهم يعتقدون أن الحرب قادمة وستؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى وقوع معركة هرمجدون)(5) . كما ساهم بعض الساسة الأمريكان في هذا التصعيد كما هو الحال في عهد الرئيس الأسبق ريغان الذي صرّح خمس مرات باعتقاده بقرب حلول معركة هرمجدون ، وجاء في حديث له في إحدى المقابلات التلفزيونية: ( أعتقد أحياناً أننا نتجه بسرعة عالية جداً نحو معركة هرمجدون)(6) ، وأثناء ترشيحه للرئاسة (1980) أدلى بتصريحه لصحيفة نيويورك تايمز، ذكر فيه ان إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي نستطيع الاعتماد عليها كبقعة ستحدث فيها معركة هرمجدون . وفي دراسات أجريت حول الرئيس ريغان تبيّن أنه من المؤمنين بالتدبيرية ونظرية هَرْمجَدُّون. وهكذا ظهر في فترة رئاسته. ففضلاً عن أن كل قادة اليمين المسيحي يؤمنون بهذه العقيدة، فإن طفولة ريغان وعقيدة أمه (نال ريغان) ونوعية أصدقائه (مثل المبشّر الإنجيلي بيلي غراهام) وتصريحاته ومواقفه ، تؤكد إيمان ريغان بهذه العقيدة: العالم يوشك أن ينتهي، والمسيح قادم، واليهود شعب الله المختار، والملايين سيُقتلون في هَرْمجَدُّون... ودور روسيا (يأجوج ومأجوج... وكل ذلك قريب، وكل المؤشرات تدل عليه(7) . وقد وردت أغلب النصوص المتعلقة بوصف معركة هرمجدون على شقين من التفصيل يكملان بعضهما بعضاً، فيؤكد شق من الروايات حتمية الإبادة البشرية فيما يثبــت الآخر نوويــة المعركة، جاء ذلك على لسان كثير من الإنجيليين والقــادة الغربيين واليهود، إذ يقول (سكوفيلد) صاحب أحد المراجــــع الإنجيلية، والذي يعــد عند الغربيين من أهم مراجعهم: ( إن عالمنا سوف يصل إلى نهايته بكارثة ودمار ومأساة عالمية نهائية، وإن المسيحيين المخلصين يجب أن يرحبوا بهذه الحادثة، لأنه بمجرد أن تبدأ المعركة النهائية والمعروفة بمعركة هرمجدون فإن المسيـــح سوف يرفعهم إلى السماء وســوف ينقذهم)(8) .
وفي عام 1984 أجرت مؤسسة يانكلوفينش استفتاءً ظهر منه أن 39% من الشعب الأمريكي - أي حوالي 85 مليون - يعتقدون أن حديث الإنجيل عن تدمير الأرض بالنار قبل قيام الساعة ، سيكون بحرب نووية فاصلة(9) . يقول أحد القساوسة الغربيين : ( كنت أتمنى أن أستطيع القول: أننا سنحصل على السلام، ولكني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون قادمة، وسيخاض غمارها في وادي مجيدو. إنها قادمة، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، لكن ذلك لن يحقق شيئاً، هناك أيام سوداء قادمة)(10). ويقول (جيري فولويل) زعيم الأصوليين المسيحيين: ( إن هرمجدون حقيقة، إنها حقيقة مركبة، ولكن نشكر الله أنها ستكون نهاية العامة والعالم )(11) . وتقول جريس هانسل :( بأن تاريخ الإنسانية ينتهي بمعركة تدعى هرمجدون وأن هذه المعركة سوف تتوج بعودة المسيح الذي سيحكم بعودته على جميع الأحياء والأموات على حد سواء)(12) .
ويتضمن كتاب ( لو كررت ذلك على مسامعي فلن أصدقه ) لمؤلفه الصحفي الفرنسي (جان كلود موريس) (13) : أخطر أسرار المحادثات الهاتفية بين الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن) والرئيس الفرنسي السابق (جاك شيراك)، والتي كان يجريها الأول لإقناع الثاني بالمشاركة في الحرب التي شنها على العراق عام 2003 ، بذريعة القضاء على (يأجوج ومأجوج). وذكر المؤلف ( موريس) في مستهل كتابه ، الذي يسلط فيه الضوء على أسرار الغزو الأمريكي للعراق، إذا كنت تعتقد أن أمريكا غزت العراق للبحث عن أسلحة التدمير الشامل فأنت واهم جدا، وان اعتقادك ليس في محله، فالأسباب والدوافع الحقيقية لهذا الغزو لا يتصورها العقل، بل هي خارج حدود الخيال، وخارج حدود كل التوقعات السياسية والمنطقية، ولا يمكن أن تطرأ على بال الناس العقلاء أبدا، فقد كان الرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش الابن) من اشد المؤمنين بالخرافات الدينية الوثنية البالية، وكان مهووسا منذ نعومة أظفاره بالتنجيم والغيبيات، وتحضير الأرواح، والانغماس في المعتقدات الروحية المريبة ، وفي مقدمتها (التوراة) ، ويجنح بخياله الكهنوتي المضطرب في فضاءات التنبؤات المستقبلية المستمدة من المعابد اليهودية المتطرفة. وكان يميل إلى استخدام بعض العبارات الغريبة، وتكرارها في خطاباته، من مثل: (القضاء على محور الشر) و(بؤر الكراهية) و(قوى الظلام) و(ظهور المسيح الدجال) و(شعب الله المختار) و(هرمجدون) و(فرسان المعبد)، ويدعي انه يتلقى يوميا رسائل مجفرة يبعثها إليه (الرب) عن طريق الإيحاءات الروحية والأحلام الليلية (14) . وكشف الرئيس الفرنسي السابق (جاك شيراك) في حديث مسجل له مع مؤلف الكتاب عن صفحات جديدة من أسرار الغزو الأمريكي قائلا: (تلقيت من الرئيس بوش مكالمة هاتفية في مطلع عام 2003 فوجئت فيها بالرئيس بوش وهو يطلب مني الموافقة على ضم الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة ضد العراق مبررا ذلك بتدمير آخر أوكار (يأجوج ومأجوج) ومدعيا أنهما مختبئان الآن في الشرق الأوسط قرب مدينة بابل القديمة، وأصر على الاشتراك معه في حملته الحربية، التي وصفها بالحملة الإيمانية المباركة، ومؤازرته في تنفيذ هذا الواجب الإلهي المقدس، الذي أكدت عليه نبوءات التوراة والإنجيل)(15) . ثم يتابع المؤلف كلامه، قائلا: (إن الطائفة المسيحية التي ينتمي إليها بوش، هي الطائفة الأكثر تطرفا في تفسير العهد القديم – التوراة - وتتمحور معتقداتها حول ما يسمى بالمنازلة الخرافية الكبرى، ويطلقون عليها اصطلاح " هرمجدون" ، وهي المعركة المنتظرة ، التي خططت لها المذاهب اليهودية المتعصبة، واستعدوا لخوضها في الشرق الأوسط، ويعتبرونها من المعارك الحتمية الفاصلة) (16) .
وقد كتب الرئيس السابق للقساوسة الإنجيليين (س.س.كريب) عام 1977: ( في هذه المعركة النهائية، فإن المسيح الملك سوف يسحق كلياً ملايين العسكريين المتألقين الذين يقودهم الديكتاتور المعادي للمسيح) (17) . فيما يقول المبشر ( هال ليندسي) في كتابه ( آخر أعظم كرة أرضية) : ( إن دولة إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل.... ) (18) ويضيف الكاتب : (قبل أن يصبح اليهود أمة لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك فقد بدأ العد العكسي التنازلي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع أنواع النبوءات، ولأنه يجب أن تظهر هناك دوائر لقوى سياسية معنية واستنادًا إلى النبوءات فإن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط وخاصة على إسرائيل في الأيام الأخيرة، إن كل الأمم سوف تضطرب وسوف تصبح متورطة بما يجري هناك. إن باستطاعتنا الآن أن نرى أن ذلك يتطور في هذا الوقت ويأخذ مكانه الصحيح في مجرى النبوءات تماما كما نأخذ الأحداث اليومية مواقعها في الصحف اليومية )19) . ويضيف ايضا : ( عندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى، بحيث يكون كل شخص تقريباً قد قتل، تحين ساعة اللحظة العظيمة، فينقذ المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل)(20) . وفي هذه الساعة سيتحول اليهود الذين ينجون من الذبح إلى المسيحية ، وسيبقى فقط ١٤٤ ألف يهودي على قيد الحياة بعد معركة هرمجدون، وسينحني كل واحد منهم، الرجل والمرأة والطفل أمام المسيح، وكمتحولين إلى المسيحية فإن كل الناضجين سوف يبدؤون التبشير ببشارة المسيح (21) . والمبشر هال ليندسي هو من المؤمنين بأن الجيل الذي ولد عام ١٩٤٨ م هو جيل النهاية وهو الذي سيشهد حرب هرمجدون . وليندسي ايضا خبير في الشؤون الدولية والتاريخ العالمي، ويفسّر الرؤى الدينية بما ينسجم مع الواقع الحالي. فمثلاً يقول:( رأى جون في الحلم جراداً لها أذيال العقارب). وتأويلها (عند ليندسي) طائرات هيلوكبتر تطلق من أذيالها غاز الأعصاب (22) .
وفي عام 1970 حذّر القس ( بيلي غراهام) من أن العالم يتحرك الآن بسرعة كبيرة نحو معركة هَرْ مجَدُّون، وأن الجيل الحالي قد يكون آخر جيل في التاريخ ، ويؤكد غراهام أن هذه المعركة ستقع في الشرق الأوسط ، وان موقع هَرْمجَدُّون في سهل جزريل بين الجليل والسامرة، وأن نابليون حين شاهد هذا المكان أشار إلى هذا المعنى(23) .
هذا هو ما يروج له الانجيليون الأصوليون في أمريكا وأوربا، أو الحركة الصهيونية المسيحية التي تسيطر على أمريكا منذ القرن الماضي وحتى الآن، وهذا ما دعى أمريكا الى خوض الحروب والتدخل العسكري في منطقة الشرق الأوسط وبالذات في أرض الفرات، أرض العراق كي تكون بمقربة من أرض المعركة الأخيرة(24) .
المعركة (حسب المصادر اليهودية )
تعتبر معركة (هر مجدون )عقيدة مسيحية - يهودية مشتركة ، وهي تؤمن بمجــئ يوم يحــدث فيه صِــدام بين قوى الخير والـــشر، وسوف تقوم تلك المعركة في أرض فلسطين ، متكونة من مائتي مليون جندي يأتون إلى وادي مجدو لخوض حرب نهائية ، ويؤمن المسيحيون الغربيون واليهود أن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تدعى هَرْمجَدُّون، وستتوّج هذه المعركة بعودة المسيح الذي سيحكم على جميع الأحياء والأموات. وأن عمر الكون هو 6 آلاف سنة. وأن اليهود شعب الله المختار، وأن الله أعطاهم الأرض المقدسة، وأنه يبارك الذين يُباركون اليهود، ويلعن الذين يلعنونهم. ويبدو أن سر اهتمام الغرب قادةً وعلماء ومثقفين وكثير من عامتهم ب(هر مجدون ) راجع إلى أن هذه الكلمة وردت في موضع واحد من الإنجيل في سفر الرؤيا ، ويستند اليهود الى هذا النص العبري ، وترجمته بالعربية : (ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير ، الفرات ، فنشف ماؤه لكي يُعدَّ طريق الملوك الذين من مشرق الشمس، ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء، ها أنا آت كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً، فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون)(25) . ومن هذا النص ، ومما أوردناه في سياق الحديث ومن تعقيدات اليهود وأزماتهم التاريخية ، يتضح انهم أرادوا تحويل الأزمات إلى مركب وجودي في الواقع يقوم في كل محصلاته وأبجدياته على الفكر الوثني وقضية التوحد والاندماج مع الله تعالى الذي تعظم عن التشبيه. وينتهي هذا الفكر المزيف بقواعده وأصوله على المكر التلمودي الدموي العام والمتناقض مع مركب الأمم الأخلاقي والإنساني. وهذا هو أصول الفكر وحتمية المعركة المقبلة حسب تصورهم (26 ).
واليهود أكثر تشوقاً لهذا اليوم الموعود الذين يسمونه يوم الله، فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية نبأً من القدس المحتلة أثناء الحرب عام 1991 للحاخام (مناحيم سيزمون) ، الزعيم الروحي لحركة حياد اليهودية ، مفاده أن أزمة الخليج تشكل مقدمة لمجيء المسيح المنتظر. وهذه الاعتقادات ظهرت عند اليهودي تيودور هرتزل – مؤسس الحركة الصهيونية – عندما ذكر انه ظهر له في عالم الرؤيا ( المسيّا ـ المسيح ) الملك على صورة شيخ حسن وقال له بان يذهب ويخبر اليهود بأنه سوف يأتي عما قريب ليجترح المعجزات العظيمة ويسدي عظائم الأعمال لشعبه وللعالم كله ، كما قال النبي يوئيل عن هذا اليوم: (انفخوا في البوق في صهيون، اهتفوا في جبلي المقدس، ارتعدوا يا جميع سكان العالم، يوم الرب مقبل، وهو قريب، يوم ظلمة وغروب، يوم غيم وضباب) (27) .
ويتحدث التلمود عن الحرب التي ستشتعل قبل مجيء المسيح : (وقبل أن يحكم اليهود نهائياً –أي قبل أن يحكموا العالم- يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم ليأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر القريب) (28). وجاء فيه ايضا : (سيأتي المسيح الحقيقي ويحصل النصر المنتظر، ويقبل المسيح وقتئذ هدايا الشعب ويرفض هدايا المسيحيين، وتكون الأمة اليهودية إذ ذاك في غاية الثروة لأنها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم)(29). وفي فقرة اخرى يقول التلمود: (حيث يأتي المسيح تطرح الأرض فطيرًا وملابس من الصوف وقمحًا حبة بقدر كلاوي الثيران البرية ، وفي ذلك الزمن ترجع السلطة إلى اليهود، وجميع الأمم تخدم ذلك المسيح، وسوف يملك كل يهودي الفين وثلاثمائة عبدا لخدمته، ولن يأتي إلا بعد اندثار حكم الشعوب الخارجة عن دين بني إسرائيل)(30) . ويتحدث التلمود عن معركة هر مجدون ، وجاء فيه : ( قبل أن يحكم اليهود نهائياً لابد من قيام حرب بين الامم ، يهلك خلالها ثلثا العالم ، ويبقى اليهود سبع سنوات يحرقون الاسلحة التي اكتسبوها بعد النصر ، وحينئذ تنبن اسنان اعداء بني اسرائيل بمقدار اثنين وعشرين ذراعا خارج افواههم ) (31) .
و(هر مجدون ) كلمة عبرية مكونة من مقطعين: (هار) بمعنى جبل، و(مجيدو) هو وادي بأرض فلسطين . وتقع (مجيدو) في منطقة فلسطين على بعد 90 كلم شمال القدس و 30 كلم جنوب شرق مدينة حيفا ، ويذكر اليهود في تاريخهم أنها كانت مسرحا لحروب ضارية في الماضي ، كما يرون فيها موقعا أثريا مهما أيضا (32) . وهي تتواتر في الخطاب الغربي السياسي الديني (خصوصاً في الأوساط البروتستانتية المتطرفة واليهودية الصهيونية) لوصف المعارك بين العرب والصهيونية، أو لوصف أي صراع ينشب في الشرق الأوسط، أو حتى في أية بقعة في العالم، كما يتم إدراك الصرع العربي الإسرائيلي من خلال هذه الصورة المجازية (هرمجدون)(33).
وعلى العموم فان السياسيين الغربيين واليهود يتسابقون إلى تثبيت فكرة المعركة بتفسيرها اليهودي لدى الشعوب للحصول على مكاسب سياسية رخيصة وتنفيذاً لمآرب الصهيونية العالمية وإرضاءً لدولة إسرائيل العنصرية، وبهذا الصدد تقول الكاتبة الأمريكية (جريس هانسل): (إن النبوءات التوراتية تحولت في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مصدر يستمد منه عشرات الملايين من الناس نسق معتقداتهم ومن بينهم أناس يرشحون أنفسهم لانتخابات الرئاسة الأمريكية وكلهم يعتقدون قرب نهاية العالم ووقوع معركة هرمجدون، ولهذا فهم يشجعون التسلح النووي ويستعجلون وقوع هذه المعركة باعتبار أن ذلك سيقرب مجيء المسيح)(34). وتقول مجلة ( دير شبيكل) الألمانية :( أن الرئيس السابق بوش أصبح واحداً من الستين مليون أمريكي الذين يؤمنون بالولادة الثانية للمسيح وهذا ما دعاه إلى القول: بأن المسيح هو أهم الفلاسفة السياسيين في جميع الأزمنة لأنه ساعدني على التوقف عن شرب الخمر)(35) . وشارك في هذا التوجه تقرير لمنظمة حقوق الإنسان صدر في قبرص عام 1990 يقول: (توجد هيئات وجمعيات سياسية وأصولية في الولايات المتحدة ومعظم دول العالم تتفق في أن نهاية العالم قد اقتربت، وإننا نعيش الآن في الأيام الأخيرة التي ستقع فيها معركة هرمجدون، وهي المعركة الفاصلة التي ستبدأ بقيام العالم بشن حرب ضد إسرائيل، وبعد أن ينهزم اليهود يأتي المسيح ليحاسب أعداءهم ويحقق النصر، ثم يحكم المسيح العالم لمدة ألف عام يعيش العالم في حب وسلام كاملين)(36) .
هر مجدون حسب المصادر البهائية
وللبهائية رأي في معركة هرمجدون يخالف ما ذهب إليه أصحاب الديانات الثلاث، يقول البهائي كارلو تاجيزن (37) :
(يدعي اليهود السامريون والعبرانيون أن النبي المنتظر الملقب بالمسيح الرئيس " المسيّا" إلى الآن لم يظهر)(38) ، ويربط بين أحداث العراق عام 1991 وما بعدها من حروب وبين هذه المعركة فيقول: (إن معركة هرمجدون هي معركة دينية بين الإسرائيليين والمسيحيين والمسلمين، والأحداث التي تدور في العالم وبصفة خاصة منذ عام 1991م تمهد المسرح الدولي لمعركة هرمجدون، كما أن المسائل والقضايا الراهنة تشير بوضوح إلى أن هذه المعركة ستحدث عما قريب)(39) . كل هذه الأفكار يرجعها تاجيزن إلى تصور البهائيين الذي يفسرونها كما يلي: (قبل معركة هرمجدون سيكون هناك 144 ألف فرد على معرفة بالله وفهم ميثاقه، وسيأتي هؤلاء الأفراد من المجموعة التي أقرت الميثاق البهائي وخالفوا في سنة 1957م خطة الرب وألقوا بميثاقه بعيداً وسيستطيع هؤلاء القوم أن يتغلبوا على الكذبة التي آمنوا بها وستطولهم فيها أحكام الميثاق وسيجتمع هؤلاء الـ 144 ألف مؤمن بعد تفجير نيويورك، وبعدها ستبدأ معركة هرمجدون الكبرى وعند نهايتها سيكون ثلثا العالم قد دمر وهلك)(40) . ويخلص كارلوتا إلى القول: (وبعد انتهاء معركة هرمجدون معركة آخر الزمان، سيدخل هذا المجلس الذي أسس في كانون الثاني 1991 " المجلس البهائي الدولي الثاني " مرحلة جديدة كمحكمة عالمية، وفي هذا الحين ستصبح الدول الوحوش الأربعة وهي: " إنجلترا ـ فرنسا ـ روسيا ـ الولايات المتحدة" وهي أولى الدول البهائية، وعندما تعتنق جميع دول العالم المذهب البهائي ستتولد محكمة الرب من جديد في هذا العالم)(41) .
المعركة الكبرى (حسب المصادر العربية والإسلامية)
لا يستطيع عاقل على وجه الأرض فضلاً عن عالم أن يجزم بشكل قاطع وفي وقت محدد بنهاية العالم بقيام الساعة. لا يعلم وقت قيام الساعة ملك مقرب ولا نبي مرسل فهذا من العلم والغيب الذي استأثر به الله جل وعلا وحده ، قال تعالى: ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)(الاحزاب:63) ، وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أمين وحي السماء جبريل عليه السلام سأل أمين أهل الأرض محمد صلى الله عليه وسلم : متى الساعة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" ، ومع ذلك فإن الله جل وعلا قد أطلع نبينا صلى الله عليه وسلم على كل أمارات وعلامات الساعة ، بل وعلى كل الأحداث التي ستقع في الكون بين يدي الساعة (42) . وما من شيء إلا وأخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم في احاديث كثيرة ومن ذلك حصول الملحمة الكبرى ضمن ما اطلقه العلماء علامات الساعة الوسطى التي تاتي بعد علامات الساعة الكبرى التي تحدث عنها نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والتي ستقع قبل قيام الساعة مباشرة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: " اطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون ؟ قلنا: نذكر الساعة قال عليه الصلاة والسلام : إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم " . هذه هي علامات الساعة الكبرى العشرة الأساسية ، ولكن يسبق ظهور هذه العلامات ، خمس علامات تفصل بين العلامات الصغرى والكبرى وتُمهّد لحدوث العلامات الكبرى، وتسهيلا لفهم تسلسل الاحداث يطلق عليها العلماء عليها مجازا علامات الساعة الوسطى ، وذلك لوقوعها بعد العلامات الصغرى مباشرة وقبل العلامات الكبرى مباشرة ، اي تفصل بين الصغرى والكبرى وسيكون من بين هذه العلامات علامة مهمة جدا ، وحولها يدور بحثنا عن الملحمة الكبرى التي يسميها البعض خطأ هر مجدون . وللعلم فقط نقول بأنّ أمر تسمية العلامات بصغرى او كبرى هو اجتهاد لأهل العلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق على علامات الساعة أيّ مسمى لا صغرى ولا كبرى، بل كان عليه الصلاة والسلام يخبر اصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم بالقول:" لا تقوم الساعة حتى.... وسيكون في آخر الزمان...اعدد بين يدي الساعة... وهكذا " اشارة منه عليه الصلاة والسلام الى انّ هناك علامات صغرى ووسطى وكبرى(43) . وهناك سيكون باذن الله عز وجل خمس علامات وسطى ستلي العلامات الصغرى مباشرة وهي : انحسار جسر الفرات على جبل من ذهب. ظهور المهدي المنتظر عليه السلام.هدنة بين المسلمين والروم. قتال الروم. فتح القسطنطينية وروما(44) . وهنا سوف لن نتطرق الى التفاصيل ولكننا اوردناها للاشارة الى وجود قتال ومعركة حاسمة نبأنا بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . اذن فلنتدبر ما رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:" لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة، فما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله" . وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبوداود من حديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها " قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: " كلا، ولكنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن" قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (45) . يقول الشيخ محمد حسان عن هذا الحديث : (ومع ذلك فقد أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى عن زوال هذه المحنة وكشف هذه الغمة وأخبرنا عن نصرة الله الإسلام والمسلمين وعن إذلال الله للشرك والمشركين ونحن الآن على مقربة شديدة بوقوع البشريات المحمديات الصادقة مع ما نراه من واقع مر أليم .. لماذا ؟ لأن الذي سيهييء الكون كله في الأيام والسنوات المقبلة ليحدث في الأرض ما أخبر به الصادق الذي سيغيّر الكون كله هو ملك الملوك جل جلاله ومدبر الكون ومسيّر الأمر الذي يقول للشيء: كن فيكون وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم) (46) .
من هنا فان المسلمين مؤمنون بمعركة كبرى فاصلة – كما ذكرنا - في آخر الزمان تقع بين المسلمين والكفار دون الإشارة إلى اسم (هرمجدون) ، وينتهي الأمر بانتصار المسلمين في المعركة ، والظاهر أنها تكون عند خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام وظهور المهدي (47) . وتذكر المصادر العربية والإسلامية بان الحديث عن نشوب معركة كبرى بين المسلمين والروم جاء مصرحا به في السنة الصحيحة، فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم، وهم عدوا من ورائهم فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فيغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون لكم في ثمانين راية ، مع كل راية اثنا عشر ألفاً". وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق - أو بدابِقَ التي في حلب سوريا - فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ، فإذا تصافوا ، قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون : لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا ، فيقاتلونهم ؟ فينهزم ثُلُث ولا يتوب الله عليهم أبدا ، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله ، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدا ، فيفتَتحِون قسطنطينية ، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد عَلَّقوا سُيوفَهُهْم بالزيتون ، إذ صاح فيهم الشيطان : إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ قد خَلَفَكم في أهاليكم، فيخرجون ، وذلك باطل ، فإذا جاؤوا الشام خرج ، فبيناهم يُعِدِّون القتال ، يُسَوُّون صفوفَهم ، إذا أقيمت الصلاة ، فينزل عيسى بن مريم ، فأمَّهم ، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب في الماء فلو تركه لا نزاب حتى يهلك ، ولكن يقتله الله بيده – يعني المسيح- فيريهم دَمه في حربته " أخرجه مسلم. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين، بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ" أخرجه الحاكم(48) . وفي حديث أخرجه ابن منده ذكر فيه ست مسائل من علامات الساعة، وقد صحح ابن منده سنده كما صححه الألباني في فضائل الشام . فعن عوف بن مالك قال:" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في خباء له من أدم فسلمت، ثم قلت: أدخل؟ قال: ادخل، فأدخلت رأسي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوءاً مكيناً، فقلت: يا رسول الله، أدخل كلي؟ قال: كلك، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ست خصال بين يدي الساعة: موت نبيكم عليه السلام، فوجمت لذلك وجمة ما وجمت مثلها قط. قال: قل: إحدى. قلت: إحدى. قال: وفتح بيت المقدس، وفتنة فيكم تعم بيوتات العرب، وداء يأخذكم كقعاص الغنم، ويفشو المال فيكم حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ". (هذا إسناد صحيح على رسم الجماعة رواه الوليد بن مسلم وغيره عن ابن زبر. انتهى، ورواه يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن مكحول وإبراهيم بن عبد الله بن العلاء ثقة حدث من كتاب أبيه روى عن ابن عوف وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان. انتهى.)(49) .
وجاء في شرح هذا الحديث لمركز الفتوى ما نصه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في هذا الحديث ست علامات من علامات الساعة الصغرى، وقد وقع منها خمس علامات، وبقيت السادسة، والخمس التي وقعت هي(50) :
1.موت النبي صلى الله عليه وسلم.
2. فتح بيت المقدس، وكان ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السادسة عشرة من الهجرة النبوية، كما ذهب إلى ذلك أئمة السيرة، وقد ذهب عمر رضي الله عنه بنفسه إلى بيت المقدس وبنى فيها مسجداً في قبلة بيت المقدس، كما روى الإمام أحمد وحسنه أحمد شاكر من طريق عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت -شابهت- اليهود، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.
3 . كثرة الموت، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم" وعقاص الغنم هو: داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. قال أبو عبيدة: ومنه أخذ الإقعاص وهو القتل مكانه. قال ابن حجر: ويقال إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس. وقال الشيخ يوسف الوابل في كتابه (أشراط الساعة): ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور وقع طاعون في كورة عمواس، ثم انتشر في أرض الشام فمات فيه خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم، ومن غيرهم. قيل: بلغ عدد من مات فيه خمسة وعشرون ألفاً من المسلمين، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة رضي الله عنه.
4. استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطاً، وقد تحقق هذا في زمن عمر بن عبد العزيز فقد كثر المال في عهده، وفاض حتى كان الرجل يعرض المال للصدقة فلا يجد من يقبله منه، وسيكثر أيضاً في آخر الزمان حتى يعرض الرجل ماله، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وذلك عند ظهور المهدي، ونزول عيسى عليه السلام، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان: "... ثم يقال للأرض أنبتي تمرتك وردي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل -اللبن- حتى إن اللقحة من الإبل، وهي قريبة العهد بالولادة لتكفي الفئام من الناس، والفئام هي الجماعة الكثيرة، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، وهم الجماعة من الأقارب وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت". وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة. قال: فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً" ، وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لينزلن عيسى ابن مريم حكماً وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". وهذه الاستفاضة للمال لم تقع بعد، لأنها تكون بعد ظهور المهدي، ونزول عيسى عليه السلام، وهذا ما لم يقع بعد.
5 . فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، وهي كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان، واستمرت الفتنة بعده.
6 . هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً، وهذه لم تقع بعد، وقد نص جماعة من أهل العلم على أنها لم تقع حتى زمنهم، منهم: ابن حجر وابن المنير. وقال: أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه بشارة إلى أن عدد جيش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه.
وفي كتابه (الحرب العالمية القادمة في الشرق الأوسط) سَبَرَ هشام كمال عبدالحميد أغوار معركة كبرى حدثنا عنها معظم الأنبياء، أكبر معركة ستشهدها الكرة الأرضية في تاريخها وحتى قيام الساعة . وتعرف هذه المعركة في الإسلام باسم الملحمة الكبرى ، وفي التوراة والانجيل تعرف باسم معركة هر مجدون (51) .
الخاتمة
تشير المصادر الغربية واليهودية إلى معركة هر مجدون بينما تشير المصادر العربية والإسلامية إلى حصول ملحمة كبرى- دون الإشارة إلى هر مجدون - وفيها يكون النصر حاسما للمسلمين ، كما ورد ذلك في الأحاديث النبوية الشريفة التي اشرنا إليها سابقا . وهكذا سيندحر الشر ويندحر أقوى وأعتى أعداء الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجا ، ويتحقق قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام و ذلا يذل به الكفر " ، رواه ابن حبان في صحيحه ، ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتصار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم و مادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر و الطغيان . أما أسطورة هر مجدو

قراءة في شعر الشاعر عبد الجبار الفياض // بقلم الاستاذ : صالح هشام المغرب

قراءة بقلم الأستاذ/صالح هشام /المغرب !!
في شعرالشاعر عبد الجبار الفياض/العراق 
عبد الجبار الفياض ! هذا الشاعر فلتة من فلتات زمن بدأت فيه القصيدة الشعرية العربية تعرف نوعا من الاحتضار ، والركود في غياب الرغبة في تنويع المخزون الثقافي، و توسيع المعارف التي تمد المبدع بالمادة الأساسة لنحت قصيدته ، و الذي يساعد ه على ولادة نص شعري متميز ، فلا شعر يأتي من خواء ولا إبداع يأتي من فراغ ، بدون ذلك فإنه سيعتمد على صور مبتذلة عشوائية التوظيف .
و توظيف انزياحات خجولة من خلال تراكيب لغوية لا ترقى بمستوى الصورة الشعرية إلى مراتب التميز والجمال لخلق متعة القراءة والإدهاش والغرابة في نفس الباحت عنها في النص الشعري ، و الذي يدفعه للإبحار في عالم العلم والمعرفة من أجل قراءة متذوقة سليمة !
وأنا هنا لا أهاجم القصيدة الشعرية الحديثة بشكل عام وإنما أركز على بعض الشعراء الشباب ، الذين يجهلون أو يتجاهلون عنوة أهمية المعرفة الموسوعية نسبياً للمبدع ، لأن (فاقد الشيء لا يعطيه ،) ولأن النص الشعري بشكل أو بآخر هو قراءة وإعادة كتابة الماضي والحاضر والمتح من مختلف حضارات الفكر الإنساني في نسيج رائع جميل، ومن خلال نموذج فكري معين وفق كفاءات فنية تختلف من شاعر لآخر تبعا لمكوناته وتراكماته المعرفية ، و كذلك من قصيدة إلى أخرى وقد تكون للشاعر نفسه ! 
وسط هذا النشاز الشعري الذي تعرفه الساحة الأدبية والشعرية على وجه الخصوص ، تبرق قصيدة عبد الجبار بريق البرق في هذه العتمة الشعرية التي اختل فيها الذوق الشعري والذائقة الجمالية العربية ، إذ فقدت القصيدة سلطتها كأرقى فن من الفنون التعبيرية ٠
ولكأني بقصيدة عبد الجبار الشعرية، تلك الحشرة الليلية المضيئة التي تقاوم ثقل ظلام دامس في ليل عزّ فيه ضوء القمر، أ فتراها تومض تحت هذا الثقل الذوقي الذي التبست فيه مفاهيم الشعر بصفة عامة ؟ 
يستمد الشاعر مكانته في مجال القصيدة الحديثة من كونه شاعر المعرفة الموسوعية ، فهو المدرك حق الإدراك مدى أهمية تعالق القصيدة الشعرية المتميزة مع مختلف المعارف الإنسانية ، والتي تشكل تراكماً -من مختلف العصور- قابلاً للانصهار في نسج جديد تبعا لقدرة الشاعر على التذويب والصهر ولسبكه قلائد تأخذ لبّ المتلقي ، بعبارة أخرى فالشاعر رسام بارع قادر على خلط الألوان لخلق لونه الخاص به والذي يبصمه ببصمته الخاصة ،لهذا نجده يقوم بعملية مسح لمختلف ثقافات العصور والحقب التي ينهل منها ، لتشكيل قصيدته وهذا يكاد يميز أغلب قصائد الشاعر الفياض ، فلا جمال ولا تميز في القصيدة بدون هذه الطبقات الترسبية المعرفية التي يصهرها ويذوبها في قصائده بحنكة الشاعر المتمرس ذي الذوق والذائقة الفنية ليقدمها للمتلقي عروساً آية في الجمال ترفل في دمسق الرموز وحرير العصارات المعرفية الرائعة التي تشرك هذا المتلقي المفروض فيه التميز المعرفي ليبدع على غرارها في قراءاته ، فالقراءة لا تقل أهمية عن الإبداع ، إذ هي جزء لا يتجزأ منه ، فهي ليست إلا ابداعا على إبداع أو خطابا على خطاب ، أو لغة حفر على جسد لغة النص، فيحصل التكامل وتتحقق المتعة ولذة القراءة و هذا من خلال هذا التفاعل بين القاريء المبدع والشاعر المبدع !
فالفياض كشاعر متميز يطبع ناتجه الإبداعي ببصمة الشاعر السومري الذي ما ألفناه من خلال قراءاتنا لجواهره ، إلا مبدعاً يسير على خطى أسلافه من رواد وأهرام الشعر العربي الحديث كبدر شاكر السياب وغيره من الكبار فهو أهل للصهر والتذويب ،سبّاك يخرج قصائده حمما بركانية متجانسة الثقافات والمعارف، لتجتاح مدى عالم القراءة ، في طابع فني ،جمالي متميز،قد يلمسه أغلب النقاد والقراء في هذه الأشعاره !
وما النص إلا امتصاص [كل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ] كما تقول الناقدة الكبيرة جوليا كريستيفا ! ولعمري إن النص الذي يخلو من هذا الزخم من أصوات الماضي والحاضر لن يكون إلا نصا ضحلا فقيرا ، لا جمال ولا إبداع فيه !
وأتوجه بصفة خاصة في هذه القراءة للطابع الشعري 
للفياض إلى المتلقي الباحث عن متعة الشعر في أبهى صوره وأرقى تجلياته كما تدل على ذلك رائعته [ مقامات عشق ] التي أعتبرها بحق مغارة سحرية بثلاثة عشر بابا وكل باب يفضي إلى متاهات لا حدود لها، فما عليك إلا ممارسة الاختراق والعبور إذا كنت تحسن فن الإبحار والاستغوار في عالم الرمز والإحالة والإشارة الهادفة ! 
فمن خلال قراءاتي مكتوبة ( نقدية ) أو غير مكتوبة ، أحس وأنا أهم بقراءة هذه [ المقامات / الدرر ] [مقامات عشق ] أو أي نص شعري آخر من نصوصه ، أني بصدد عبور عتبات سحرية تتعدد فيها المداخل والمخارج ، وتستوجب مني حسن ممارسة القراءة الواعية المبنية على أسس معرفية تساعدني على تفكيك هذا التداخل والتشابك الخيطي من الشفرات والرموز التي يوظفها الفياض بدقة الشاعر المحنك. فكل سطر شعري وكل دلالة ستقودني حتما إلى الغوص والإبحار
في مكتبات كثيرة للموتى والأحياء من مشارق الأرض ومغاربها ، ومن عربها و غربها ومن حاضرها وماضيها ، ليوقظ أمواتها من سباتهم الأبدي ، فيجعلهم بلمسته الفنية يحيون فينا ونحيى فيهم فهو بكل تأكيد يقوم بربط حلقات ماضي الإنسان بحاضره في نصه الشعري العابر- بكل اقتدار- متاهات الزمن الغابر والأمكنة الضاربة في عمق القدم !
وما دمت قارئا مسؤولا عن تحديد هوية هذه الرموز التاريخية والأسطورية والفلسفية أجدني أبحث وأنقب بين هؤلاء الأحياء والأموات حتى أحسن القراءة تأويلا وتفكيكا وتحليلا ، والسبب في ذلك أنك تجد هذا الشاعر مؤرخا يثري دلالاته من التاريخ، معبرا عن ذاكرة حيّة ووعي شعري متميز ، فيحسن الإشارة والإحالة إلى وقائع تاريخية كما يقول في [مقامات عشق ] : ( العباسة لا تريد أن تصمت ... فسحابة الرشيد لم تغط سماءها ) أو (يا آل آمون ..إنكم تأكلون قصاع تريد ) وكما يختلف المبدعون في معرفة الموروث التاريخي ، يختلف كذلك القراء في المعرفة نفسها ، ومادام ما قلناه كذلك ،فإن هذا يتطلب من القراء معرفة كافية بالظروف والملابسات التاريخية لهذه الإحالات التي تؤثث القصيدة فبدون هذه المعرفة تلين شوكتهم وتضعف أمام التحليل و ربط هذا بذاك ، وتخونهم القدرة على التأويل والتفكيك ومعرفة مغزى توظيف تلك الوقائع التي تشكل بطريقة أو بأخرى وعي الشاعر ، ولا يقتصر هذا التوظيف الفني على التاريخ فحسب وإنما يغترف كذلك من الموروث الانساني الادبي والذي يختلف من حيث المكان والزمان فينسج من خلاله نسيجه باعتبار النص الشعري ليس إلا نسيجا رائعا لكن من خيوط مختلفة زمانيا ومكانيا وثقافيا وعقائديا وما إلى ذلك وأركز هنا على ( مقامات عشق ) يقول الشاعر : (ايام ...محملة ...لؤلؤ من بحور الخليل ) أو ( ليست بكأس ... أراقها ابن هانيء من دن عجوز ) أو ( يلبس الضليل حلة مسمومة ) أو ( يستلذ صاحب ولادة بجدران سجنه ) فهو رغم ذلك يترك في نصوصه ذلك الضوء الذي يمكن أن ينير للقاريء الطريق كإشارات وإحالات ، إذا كان يحسن البحث والتقصي في حقيقة كل إشارة وظفها الشاعر ، ومن ثم يسهل عليه الربط بين الدلالات ، فقد تختلف المصيبة زمانيا ومكانيا ولكنها تتحد في الملابسات وظروف الوقوع فمأساة الملك الضليل (امرؤ القيس ) لا تختلف عن مأساة (ابن زيدون) إذ كلاهما ذاق مرارة الخيانة والأذى ،وقس على ذلك في توظيفه للأسطورة وبشكل مكثف ، ولست هنا بصدد تفكيك ما ورد في مقامات الشاعر ، بقدر ما أود فقط أن أضعها في الموضع الذي اختاره لها الشاعر ، و هذه أمثلة بسيطة لمسح أدبي رائع من أعلام مختلفة في أمكنة وأزمنة مختلفة ، والجامع بينها ما تشترك فيه من مأساة !
و لكأني بالشاعر يقول صراحة ، إقرأ وابحث في إحالاتي وإشاراتي وضعها الموضع الذي تستحقه وإلا فإن القصيدة ستتمنع وتستعصي عليك، ولا تعطيك بعضها إلا إذا أعطيتها كلك: أن تعطيها كلك،يعني : أن تغوص في البحث والتقصي لتتوفق في استجلاء حقيقة هذا التوظيف ولو كان ذلك تقريبياً ووفق إسقاطاتك الخاصة شريطة أن لا تكون مدمرة ، تخلخل جمال النص وتحد من بريقه !
فالنص مفتوح على تعدد القراءات ، مفتوح على كم هائل من التأويلات وفق اختلاف الرؤى والتصورات ، والقراءة بأي حال من الأحوال كبصمات الأصابع لا تتكرر أبدا ، وهي أيضا لحظية ، ظرفية ، حربائية لا تستقر على حال ، فما تعطيكه القصيدة اليوم تعطيك غيره غدا وقد صدق من قال : [ لا نستحم في النهر مرتين ] لا أريد أن أركز على قصيدة بعينها لأن هذا الشاعر ميزته وطابعه الخاص يتجلى في ما يقوم به من مسح وتعالق معرفي زمانيا ومكانيا في القصيدة الواحدة ، ولكأني به مهندس طبوغرافي أوعالم جيولوجيا أو أنتروبولوجيا ومؤرخ أدب ،ولكل علم من هذه المعارف الإنسانية مكان خاص في القصيدة ،مع قدرة كبيرة وكفاءة رائعة في هدمها وإعادة بنائها في نص يحبل بتعدد الأصوات والدلالات ، هذه الدلالات غير القابلة للتحجيم ، فهو نص مبني على تلك الاقتباسات المتداخلة مع نصوص أخرى ومن ارجاعات وأصداء ومن لغات ثقافية غامضة تستعصي على الرصد وهذا يجعله ينتشر في النصوص التي تداخلت معه . ،إذ يعرج بطرقه الفنية المعهودة ،وذوقه الجمالي على كل ما يخدم القصيدة ويرقى بها إلى مراتب الجمال والجلال والتميز! وبالتالي يفتح الشاعر نصه كما سبق على مستوى تعدد القراءات متجاوزا في ذلك الحواجز الفكرية ، ويقبل هذه القراءات الملايينية التي لا تنتهي أبدا، ويدل هذا على هذا التكون النصّي المختلف المشارب النصية التي يهدمها من إنتاج نص شعري رائع ! 
ولعمري إن هذه الميزة الرائعة في القدرة على التوظيف والتذويب والصهر تحسب للشاعر وتمنحه الريادة في توليف ما اختلف من تراكيب لغوية وتنافر من رموز وهو يلبسها لباسا غير لباس عصره وربما يلاحظ القاريء أني أغفلت هذه الخاصية الجمالية في لغته الشعرية إيمانا مني بأن القادر على صهر فكر عشرات الأمم الأزمنة والأمكنة وزخم لا ينتهي من النصوص في بوتقة النص الواحد، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستعصي عليه الجمع بين المؤتلف والمختلف من الكلام ،وجمع أعناق مختلفات اللغة و التوفيق بينها في لغة شعرية تكسر المألوف ، لتحلق بالقاريء في عالم بعيد كل البعد عن جاذبية التوظيف المبتذل والنمطي للغة والذي غالبا ما نجده في بعض القصائد الشعرية الحديثة التي لازال أصحابها يجرون لاهثين وراء لمعانها الباهت ، وهم يعلمون أنها أصابها البلى وفقدت كل أسباب الإدهاش ،لكثرة التوظيف والاستعمال !
هذا الشاعر لا يقتصر على توظيف التاريخ و تاريخ الأدب والفلسلفة ، بل يوظف كذلك الأسطورة في قوالب شعرية رائعة ، توظيفا قلما رأيته في قصائدنا الحديثة ،وعندما أقول الحديثة ، فإني أستثني الشعراء الرواد الذين فتحوا الباب على مصراعيه لتحديث الشعر العربي وجعله انفجارا معرفيا منفتحا على الآخر في بنيات شعرية مشبعة بالتنوع والخصوبة المعرفية،فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر!
فالشاعر ملم بهذه المعارف الإنسانية المتنوعة من [تاريخ وأدب وأسطورة وفلسفة وغيرها ] و هي التي يعرف كيف يصهرها كالسباك ،ويهدم نصوصها هدما يعيد بناءها فيخرج منها بوليد له بنيته الخاصة مستقلا بجمالياته تقول جوليا كريستيفا : [ النص جهاز نقل لساني يعيد توزيع نظام اللغة واضعا الحديث التواصلي ، ونقصد المعلومات المباشرة في علاقات مع ملفوظات مختلفة أو متزامنة ] وترى في موضع آخر أن [ النصوص تتم صناعتها عبر امتصاص ، وفي نفس الآن عبر هدم النصوص ،الأخرى للفضاء المتداخل نصيا ، ويمكن التعبير عن ذلك بأنها ترابطات متناظرة ذات طابع خطابي ]٠ 
،ولعل قراءة نصوص عبد الجبار الشعرية ، ترقى كل تأكيد إلى مستوى التحفيز ودفع المتلقي إلى الإبحار في هذه العلوم ليكون في مستوى قراءة الفاحصة والمتفحصة . فالذي لا يمتلك ما سبق لن يتمكن من تحليل تلك الشفرات والرموز وهذا حتما لن يمكنه بأي حال من الأحوال من فهم قصائد شعرية متخمة بالدلالات فهما صحيحا . 
وأعتقد أن القاريء سيقف على صحة ما أقول عندما يقرأ [مقامات عشق ] لأنها تبرز بشكل واضح قدرة للشاعر الإبداعية على الاغتراف من تلك الترسبات المعرفية العالقة بجدار ذاكرته ومن هذا الكم النصي ! 
فكل قصائده أعتبرها شخصيا - كقاريء متذوق وليس شاعرا - دررا في عقود رائعة يحسن ترتيبها في قوالب شعرية ،تتوسطها جوهرة غاية في الروعة والجمال وهي هذه [ مقامات عشق ] ذات الثلاث عشرة متاهة ،إذ لا تخرج من الأولى بسلام حتى تجد نفسك تبحر بلا مراكب في بحار أخرى ،فهي بحار بلا شطآن وربوع بلا تخوم وصحاري ، بلا رمال ، وما نشوة القراءة إلا هذا الإبحار الذي ينتشلك من واقع مترد آسن متخن بالعفونة والجراح التي قد تندمل وقد لا تندمل فتستمر في النزيف ! 
وربما يتفق معي القارئ على أن الشاعر عبد الجبار في مختلف قصائده لا يستحضر قارئا متلق بعينه و يجري لاهثا وراءه لإرضائه ، وإنما يكتب القصيدة لإمتاع نفسه أولا و ليمتع القارئ ثانيا ، والمبدع الذي لا يمتع نفسه لا يمكنه أن يمتع غيره والإمتاع يأتي من نزيف روحه في كل كلمة وفي كل إحالة وفي كل إشارة وفي كل رمز وما هذا النزيف إلا صدق شعري يقتسمه هذا الشاعر مع قرائه !
أقصد بذلك أن قصيدة هذا السومري لا تبحث عن قارئها وإنما تتركه يبحث عنها من خلال استفزاز ذاكرته ،و إيقاظ أعشاش الدبابير في تلافيف مخه وجره جرا للإبحار في عالم القصيدة السومرية ! 
وهذا سيجرنا إلى أن نصوص الشاعر نصوص مكتوبة بمفهوم[ رولان بارث ]ومفتوحة بمفهوم [ أمبرتو إيكو ] أقصد بذلك أنه يكتب القصيدة كنص باعتباره كتابة وكل كتابة تستدعي قارئا من طينة جد خاصة ، مسلح بمعرفة خاصة تمنحه القدرة علي تفكيك شفرات النص وتحليل رموزه وتأويل دلالاته الغنية حتى التخمة : وقراءة هذا النوع من النصوص لا تقدم اليقين بشكل أو بآخر وإنما تتيح بعض الاحتمال ، وهذا بطبيعة الحال هو ما يدعو القاريء إلى المشاركة بدوره في تهديم ما بناه الشاعر اعتمادا على مخزونه المعرفي ، فتظل عملية الهدم قائمة بين المبدع والقاريء ، لأن القصيدة لا تخلو من أصوات مختلفة عابرة للمكان وللزمان . ولا أريد هنا أن أكرر رواية حكاية أبي تمام مرة أخرى ، وحواره مع بعض متلقيه، و الذي لم يفهم مقاصد ه من أشعاره فحكم على نصوصه بالانغلاق ،ونفى عنه الفحولة . 
يكفي أن عبد الجبار يؤهلك كمتلق من خلال توظيفه تلك الإحالات و الرموز الأسطورية والأدبية والتاريخية للوقوف على تلك النصوص الغائبة المترسبة في نصوصه والتي يستمد منها مادة إبداعه ، ولكأني به يتفق مع نزار قباني الذي يقر وكأنه (يكتب قصيدته بمعية عشرة آلاف شاعر ) ، فهو يمتص ، و نصوصه امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى غائبة ،وتبقى مسؤولية القاريء العارف مسؤولية قائمة لتحديد هوية هذه النصوص !
وعبد الجبار لا يقل أهمية عن الشاعر الإنجليزي[ إليوت] الذي يشترط قارئا موسوعيا لنصوصه ،لأن القراءة التي لا تنبني على أسس معرفية ، قد تدمر النص وتجعل جذوته المتقدة تخبو وتنطفيء ٠ 
اعتبرت في إحدى مقالاتي أن الإبداع والنقد من أهم عوامل الحوافز التي تدفع إلى خوض غمار المعرفة ، لأ ن الذي لا يعرف في التاريخ أو الأسطورة أو تاريخ الأدب شيئا لن يكون بمقدوره تفكيك نصوص الشاعر عبد الجبار الفياض ، فكيف لهذا القاريء أن يبحر في متاهات ورموز (مقامات عشق ) أو (دجلة ) أو( تايتنيك) أو (النهر الميت ) أو (امراة من دخان ) وهو لا يعرف تأويل الإحالة و الإشارة التي تومض من حين لآخر في هذه القصائد ، كيف له أن يبحر وهو يفتقد الى حنكة البحار ، ويمتلك،مركبا مهترئا ومجذافا مكسورا ، فالمعرفة مسألة أساسية لقراءة نصوص عبد الجبار ، باعتبار الرمز من أبرز عناصر بنيات نصوصه الشعرية ، والتي تتأتى أهميتها الايحائية من كونها سمات تعبير جمالي في قصائده ٠ 
فعبد الجبار شاعر يفكر لكن في صور وهذه الصور هي التي تؤكد وعيه الناتج عن تلك الصور يقول بلنسكي : [الفن تفكير في صور ] فشعره فن ، والشعر أرقى الفنون التي أبدعها الإنسان للتعبير عن جانبه الروحي !
وأنا في قراءتي هذه لا أكبح عزيمة قراء أشعار عبد الجبار بقدر ما أدعوهم لممارسة حقهم في التسلح بالمعرفة من أجل تأويل يطبعونه ببصمتهم الإبداعية الخاصة ٠ فالنص يبقى مفتوحا على تعدد المعنى وتعدد المعنى حتما سيقود الى اختلاف القراءات ، ومعيار القراءة هنا يكون بالكيف لا بالكم ٠ فلا يمكن أبدا أن نفهم ديسيوس بمعزل عن فهمنا لمفهوم البطولة والشجاعة والدهاء والمكر وما إلى ذلك ، ولا يمكن أن نفهم توظيف الأفعى كرمز دون أن نقوم بمسح نسبي لفهم دلالاتها الرمزية في الأساطير القديمة سواء السومرية أو العبرانية أو اليونانية ، أو ما شابه ذلك من توظيفات لهذا الرمز في التراث الإنساني إن على مستوى السلب أو الإيجاب ٠
وأعتقد أنه لا يعقل أن يركب المغامر المبحر موج البحر دون التوفر على لوازم قهر الأمواج، وإلا ظل يراوح مكانه على الشاطيء ،والدرر والجواهر لا تقذف على رمال هذه الشواطيء وإنما تتطلب المغامرة السندبادية التي يكون فيها المغامر واثقا من أنه سيخرج منها بأخف الأضرار٠
يجب الجزم بأن هناك صعوبات كثيرة ستعترض القاريء أثناء تحديد ماغاب من نصوص في قصائد عبد الجبار الفياض ٠ ونحن نسلم بعمق خلفيته الثقافية والمعرفية التي يركب أمواجها لإبداع هذه النصوص المتميزة ، التي تجعلك تبحر في جماليات النص الشعري من جهة ، وتبحر في عالم المعرفة للوقوف على تلك الاحالات والاشارات والرموز الرائعة من جهة أخرى ٠ وعندما أقول القاريء فأنا لا أميز بين القاريء الباحث عن المتعة والناقد باعتباره كذلك قارئا باحثا عن هذه المتعة ، لكن قراءته مكتوبة ومدونة محسوبة له أو عليه ، فما يسري على هذا يسري على ذاك ٠ يتراوح اغتراف عبد الجبار في نصوصه ما بين الموروث العربي والغربي ، ما بين التاريخي والأسطوري و ذلك الأدبي ، مع تركيز ه على روائع هذه الروافد المعرفية ٠ وأشير هنا إلى بعض ملاحظات رواد المدارس النقدية الحديثة وأخص بالذكر [رولان بارت]وهي ملاحظات فهمها ضروري لتحقيق القراءة الواعية والناقدة للنص ويعتبرها من شروط تحقق القراءة الجيدة والسليمة للنص الشعري بصفة عامة ، و التمكن من تحليل وتفكيك تلك الشفرات التي يرسلها النص ويستقبلها المتلقي و التي يمكن أن يعيد إنتاجها في قوالب نقدية إبداعية لا تقل أهمية وإبداعا ، إذ تنفتح بدورها على قراءات نقدية أخرى ، ولا بأس من الإشارة إلى هذه الشفرات باعتبارها أنساق متحكمة في إنتاج المعنى في النص ، وإن كانت تكاد تكون أحادية المعنى و لا تليق أبدا بنصوص عبد الجبار ،وهذه الشفرات سأوجزها في ما يلي :
* شفرة تأويلية : فقاريء نصوص الشاعر عبد الجبار سيكون بصدد كم لا يستهان به من التلميحات والألغاز التي ستطرح مجموعة من الأسئلة في ذهنه ، والسؤال بطبيعة الحال عتبة والاجابة عنه عبور واختراق لمتاهات النص !
*شفرة دلالية : إن توظيف الشاعر لتراكيب وإحالات رمزية تخلق من نصوصه بنيات أكثر عمقا ،وصفا وتشخيصا في تحديد المعنى الذي أعتقد أنه من الصعب تحديده وإنما يبقى مجموعة من إسقاطات شخصية للقاريء وفق خلفيته الثقافية ومخزونه المعرفي ونظرته الفلسفية للحياة ، وربما يساعده حظه في تمثل تجربة الشاعر دون أن يقع في الإسقاطات الخاطئة التي يمكن أن تقوله ما لم يقله ! 
* شفرة رمزية : وهذه الشفرة تتيح تجدد المعاني على الدوام اعتمادا على اختلاف الفهم الخاص لكل قاريء ، وتعطي للنص قابلية الانعكاس سواء تعلق ذلك بالعلاقات النفسية أو العاطفية التي تسود بين البشر ، هذا فضلا عن هذه الشفرات التي تعتبر مفاتيح القراءة السليمة للنص ،هناك شفرات أخرى لا تقل أهمية عما سبق ذكره وأخص بالذكر الشفرة الثقافية باعتبارها تعتمد أساسا على تلك الإشارات للمخزون الثقافي للشاعر ، إضافة إلى الإشارات الاجتماعية والأدبية للمجتمع بصفة عامة ، هذا إذا آمنا بأن النص الشعري ابن بيئته ، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال عزله عن هذا الواقع العربي الأليم ، كيف لا وقصائده هذا الشاعر المتميز ، عرفت المخاض والولادة تحت وطأة الحديد والنار٠ 
في هذه القراءة المتواضعة ، أقوم فقط كعاشق وقاريء نصوص عبد الجبار الفياض ، بتوضيح بعض القضايا الفنية والجمالية التي تتميز بها قصائده والتي أرى شخصيا أنه من الضروري الاطلاع عليها ، قبل الإقبال على الخوض في ديوان من دواوينه أو قصيدة من قصائده ،هذا الشاعر الذي يدفعنا من حين إلى آخر إلى البحث والتزود بالمعرفة لفهم طبيعة الغائب في قصائده الشعرية من نصوص ، لأنه بدون هذه المعرفة لا يمكن فهمنا أبدا أشعاره ، هذا الهرم الذي سيحيي لا محالة شعر شعراء عباقرة غابت بصماتهم في شعرنا العربي في عصرنا هذا ، كالسياب و محمود درويش وأدونيس ونزار قباني وغيرهم كثير ! 
بقلم الأستاذ : صالح هشام / المغرب

قراءة في جملة الشاعر : أياد البلداوي أتساقط كاوراق الخريف // بقلم الدكتور محمد علي الكاتب // العراق


دراسة لنص الشاعرة : اوهام جياد // خرائط النجوم : بقلم الاستاذ // سالم الحمداني // العراق

توجهت نحو قراءة ودراسة نقدية وقد كتبها استاذ سالم الحمداني معبرا وبرؤياه وتصويباته الجميلة ،في الحقيقة لقد اسعدتني تلك القراءة والبحث في مكنون القصيدة .
وقد بين مديات وعوالم القصيدة ( خرائط النجوم )شاكرة له ذلك.
وقد كتب فيها::
أتسمت قصيدة ( خرائط النجوم ) للشاعرة أوهام جياد الخزرجي بما تتسم قصائدها عموما بالاسلوب السردي وأستخدام الصور الشعرية والأيحاءات الرمزية ومحاكاة سرديات التاريخ ،كالملاحم مثلاً كأداة أساسية للقصيدة وملحمة مهمة لتكوين البنية العامة والصورة الجمالية للقصيدة .
والقصيدة النثرية حداثوية ،أمتازت بما يمتاز به هذا النوع الأدبي من تكثيف للصور الشعرية والأستخدام المفرط للرموز التعبيرية والمجازية والعبارات الانزياحية والأيحاءات الدلالية لتوضيح فكرة القصيدة ومجالات بحثها ،والمقاصد التي يبتغيها الشاعر وطرق البحث التي يرتابها لأيصال وجهة النظر المرجوة للقارئ ،وتوظيف تلك المعطيات الفنية والرؤى الفلفسية للوصول الى جمالية النص ،
وتوليد حالة الدهشة والترقب والرغبة الجامحة في المتابعة لدى القارىء.
كما أن القصيدة لا تغادر الأشكال والمفاهيم والمضامين العامة التي تمارسها وتعالجها نظيرتها،وهي مسائل الضياع وحالة الأحباط التي تعاني منها الأمة نتيجة الهزائم التي مرت وتمر بها،وفقدان الأمل الذي يؤزم أشكال الحياة اليومية ،والتطلع للمستقبل الجميل المفقود ،في ظل معطيات كثيرة كالأحداث والحروب والكوارث والآثار السلبية التي تصاحب تداول ا(لسرديات الكبرى ) الآيدولوجية ،التي باتت هي ثقلا وهما وأصبحت تلعب دورأ مهما في تسيير الحراك الأجتماعي والسياسي في الوقت الحاضر ،وعكست ذلك على نمطيات مجتمعاتنا ودولنا ،وقلصّت روح الحرية.
من اليسير على أذهان القارئ أكتشاف ظاهرة أستدعاء جدلية ( المنقذ والمخّلص ) في قصيدتنا موضوعة القراءة ،من خلال محاكاة التاريخ برموزه والأسطورة الهوميروسية ،بما تحمله من أحداث جمـّة كالبطولة الفائقة وعذوبة ونشوة الحّب والفارس الذي يختطف الحّب برعاية الهية، تشرف وتقود وتخطط ، وتعود بعد ذلك لتحتفل بما أنجزته ومهما كان الثمن غاليا ،ليبقى مفهوم الحبّ هو المنجز المحتفى به والسائد في الأذهان .
وجاء في مطلع القصيدة :
تبارك صمتك الأقاويل ،
ڤينوس ،
قاتلت من اجل عشقها ،
آلهة تبصر عيون الحنين ،
والأشتياق ،
أين طروادة ؟
ليكن النجم هاهنا ،
حصان يبحث عنها خلف الأسوار،
هوميروس ،
أوه هوميروس عاد من جديد ،
ينهض كن مصرعه ،
ولتكتمل خارطة الزمن ،
نجوم رسمتها ،
هل للشهب أحزان ؟
لم يكن للموت قبائل ،
ربما درب التبّانة ليس بمساره ،!
وتبقى الأسطورة.
//////////////////////////////////////
أنت سرجون أخي ،
ربما تفرّ النار،
والثأر الملعون يجّب الشوارع،
والبلدان،
قل لي خي ،
هل نهبطمن محبتنا ؟
الرماة خلف الوادي ،!
ينتظرون دورهم ،
والجبل يحتكم أمره ،
قبل أن يأتِ نهار،.
//////////////////////////////////
مطر يبّل أوراقه ،
سالت الحروف،
لم يلتقط هزيمته ،
مازال الجرح عند الذاكرة ،
تبيع الذاكرة للمسافرين ،
محطات تجّب الشوارع ،
لا وقت للقاء،
لم يكن الحزن محركا للطائرة ،
ربما البنزين نفدّ،
ربما تعود الصورة ،
الكل نائم بمخدعه ،
تلك نهاية العالم ،
ولتكن ڤينوس القلب،
نجمة مسرورة.
//////////////////////////////
ڤينوس ألهة العشق والغرام وأن كان فاقدا للشرعية كما هي ڤينوس ،الأ أنها تبقى راعية لذلك الوله،وهي الالهة التي تراقب مسيرة العشق وترعاه وتعتني به وتمثله .
أستطاعت الشاعرة أن تقول أن بالأمكان أن يندحر الظلم والفاقه وضيق الرؤى والتعسف المبرمج المشرعن ضمنا في المفاهيم السائدة حاليا،من خلال قدرتها على توظيف التاريخ بشخوصه وأدبياته وهي تحاول أن تدلل بتلك القدرة بالأستعانه بالأسطورة وشذرات التاريخ ورموزه الحقيقية المؤثرة والميثولوجية.
وهي تعتقد أن دورة الزمان ممكن أن تعيد نفسها وتنتج أحداثا أكثر سعادة ورفاه ،وقد سئمت المناظر اليومية ،التي أصبحت من فرط تغشيها صورة نمطية لحياتنا اليومية ،والمتمثلة بفقدان الأمل وكثرة الصراعات والدم الذي أصبح بلون صباحاتنا .
( هوميروس ) أيها الكاتب للأحداث أما آن لك أن تكتب لنهايات حزننا شوطاً جميلاً.
أنه مطلب صعب المنال في ظل شرعنة الظلم والأستبداد ( ربما درب التبّانة ليس بمساره ) أستخدمت الشاعرة الاداة ( ربما ) والتي تفيد الأحتمال لتظل أبواب الأمل مفتوحة على الرغم من أستحالة ماأفرزته الأحداث من قيم ومفاهيم ،وجدت لها أرضا خصبة في مجتمعاتنا ،ولكن لابد لنا أن نتصور أن هناك بصيصا من الضوء في نهاية النفق، مع مانشهده من تنامي آيدولوجيات مستبدة أستطاعت أن تسود في ظل أنحسار المفاهيم الأصلاحية،وكنتاج لحالة الصراع الفكري المزمن والمصالح الشخصية للمتنفذين والصراعات والأجندات الدولية في المنطقة .
وتعود شاعرتنا لطرق أبواب التاريخ المشرعة لتناجي ( سرجون أخي ) المحارب الأكدي العراقي الذي أذعنت لسلطانه وقوته الجهات الأربع حينذاك،
لتسأله هو الآخر وعسى أن تعود دورة التاريخ لنحفل بعدها ببعض الأمل والطمأنينة.
تمكنت الشاعرة أوهام جياد الخزرجي من أبراز نواحي جمالية متعددة في القصيدة ( هل للشهب أحزان ) وكذلك ( الثأر الملعون يجّب الشوارع ) ( ولتكن ڤينوس الحبّ نجمة مسرورة ) ،كلها صور أبداعية أنزياحية وبمضامين دلالية رسخت المفهوم المراد تحقيقه ومقاصد النص ، وتبقى كما هو معروف المقاصد الثلاثة قائمة مقصد الشاعر، ومقصد النص ، ومقصد القارئ ،حاضرة من النسق العام للقصيدة لأنتاجها النهج النهج الرمزي ومحاكاة الشواهد والصور ،ولغرض أفساح المجال للرؤى وتوليد قراءات جديدة وربما أعمق ما عنى فيه والنص غني ومكتنّز بذلك.
القصيدة نأت عن الذاتية لتخوض في تجليات الواقع المر والصعب ومايفرزه يومياً من صور مأساوية وهي تحاول أن تعالج ذلك من خلال طرحه للنقاش .
يعتبر العنوان لأي قصيدة هو المنطلق الأول والمثّابة الاولى للقراءة لآي نص كوّنه النافذة التي يشرف من خلالها القارئ على النص كله بما يحمله من أشارات ودلالات ، وبما أن ( خرائط النجوم ) هو عنوان قصيدتنا والذي من المفترض أن نتناوله بالتحليل والقراءة أبتداءا ،ولكننا آثرنا أن نؤخره لشّدة التماهي بينه وبين النص ، وقد وفقت شاعرتنا في أختياره الى حدّ بعيد ،لمّا تحمله الكلمتان من أشارات رمزية كثيرة ومتنوعة العقيدة تتسم بوحدة الموضوع حيث يتضح ذلك جلّيا منذ البداية وحتى النهاية .
ملائمة الموضوع مع أرهاصات وأنعكاسات الشارع ومايتم تداوله من أفكار وبروز عامل التفاعل الزماني والمكاني ومضمون القصيدة ،بالرغم من تنوع المشاكل والمعضلات التي يعالجها النص الأ أن تلك المعضلات تعتبر حالة واحدة ومن الصعب الفصل بينها .
يتمتع النص بسلاسة النسج ووضوح البيان وتجنب ماهو غريب من الكلمات.
والحمد لله رب العالمين.
26/1/ 2018
الاستاذ سالم الحمداني ، تقديري واحترامي.

القصدية التعبيرية للنص التجريدي // السكوت عن المعبر عنه / دراسة في نص ( براعم تأبى الموت ) للشاعر رسول مهدي الحلو / بقلم الاستاذ باسم الفضلي

( القصدية التعبيرية للنص التجريدي / السكوت عن المعبَّر عنه ) 
دراسة تحليلية لنص ( براعم تأبى الموت) للشاعر رسول الحلو 
النص 
***
بريق الشعاع يزهر في عالم يستنشق الدجى، يموج كما تموج الصحاري حينما
تمتطي صهوة الخواء تصطف الطيور باكية أطياف القزح الرمادية من وراء
القضبان الشفافة ينبض قلب الربيع وتورق الأقواس براعم تأبى الموت.
الدراسة : 
****
ماعاد ( العنوان) في النص الادبي الحداثوي ، ترفاً تزويقياً ، او اشارة كيفية عبثية العلاقة 
بمتنه ومضمونه ، بل بلغ من الاهمية الدلالية والوظيفية ان كثرت وتشعبت الدراسات والبحوث
في تحديد معناه واهميته ووظيفته الدلالية وعلاقته بالبنية اللغوية لمتن النص ، حيث مثلت 
الاساس التنظيري لولادة علم مختص به، له أصوله ونظرياته ومناهجه ،هو ( علم العنوَنة )
الذي اعتبر العنوان ( بايجاز شديد ) من أهم العتبات النصية الموازية للنص الرئيس،
و يمثل مفتاحاً لتأويل دلالاته الاشاراتية ، ومقاربة معانيه الظاهرة والمخبوءة مما 
يساعد على تأويل مقاصده والكشف عن ملامحه المضمونية، فللعنوان وظيفة ( مرجعية 
وإفهامية) ترتبط بنيوياً مع النص بعلاقات جدلية وانعكاسية أو إيحائية، بهذا المقدار او ذاك ، كما 
ويمكن أن تكون العلاقة بينهما تقابلية أو انزياحية أي انها ليست ائتلافية بالضرورة ، بمعنى 
أن العنوان يعتبر هو الموضوع العام ، يشكل الخطاب النصي أجزاءه،
لهذا فان تفكيك بنية العنوان السيميائية سيمكننا من الحصول على مقاربات دلالية تكون بمثابة
مفتاح يمكننا من التعرف على معناه المخبوء ،وتأويل اشاراته النصية بعد تحديد نوعية العلاقة
التي تربطه ببنية النص الدلالية :
العنوان ( براعم تأبى الموت ) 
ـ البنية النحوية :
في بنية العنوان اللغوية انزياح تركيبي / حذف المبتدأ 
براعم : خبر للمبتدأ المحذوف جوازاً / بلامسوغ او اضطرار ، 
وقد خصته الجملة الفعلية بعده بصفة 
تأبى : مضارع فاعله ضمير مستتر ( هي ) يعود على الخبر 
الموت : مفعولا به 
قراءة تحتانية دلالة هذه البنية :
قوة حضور الاسم النكرة في سياق هذه الجملة بالنسبة للاسم المعرفة ، فالثاني وقع
عليه فعل الاول / الفاعل، وبالتالي حدد دلالته النحوية / مفعولاً به ،
وهنا يزودنا العنوان بمفتاح اول / عدم الثقة بظاهر الدلالات ( معناها الفوقاني )
ـ البنية الدلالية :
* الاشارة ( براعِم ) : دالة اسمية جمعية مفردها ( برعُم ) ، مدلوله اللغوي المعجمي :
زَهْرَةُ الشجرة ونَوْرُ النَّبْتِ قبل أَن يَتَفَتَّح 
مدلوله الاصطلاحي : النشء جمع ناشئ : الغلامُ جاوز حدَّ الصِّغَرِ وشَبَّ / تفتح للحياة، الجيل الجديد
والاشارة احالية خارجية ايضاً / علم النبات ، معناها : 
البُرْعُمُ ( في علم النبات ) : بُداءة زهرة أو بُداءة فرع ، وتتركب في كلتا الحالتين من أوراق 
متراكبة والجمع : براعِمُ 
المقاربة الدلالية للمعاني الثلاثة اعلاه : تفتح الحياة 
والقصد من جعل هذه الاشارة / براعم ( وهي الخبر/ المسند )، تتصدر الجملة بالحذف الجائز
للمبتدأ ( المسند اليه ) ، هو خدمة الغرض الشعري للكاتب ، وجعل المسند دلالة مركزية (بؤرة نصية )
تدور حولها كل المعاني في النص ، لحمل القارئ على اعمال فكره للبحث عن العناصر المحذوفة 
، فالحذف هنا هو ( معنى ) مسكوت عنه من قبل الشاعر، يهدف الى اشراك القارئ في تكوين
دلالات ذلك المعنى / مفتاح ثانٍ : في بنية المتن الدلالية مسكوت عنه / او اكثر 
كما ان هذه الاشارة مخصوصة بصفة فعليَّة الجملة ( تأبى + فاعله الضمير المستتر ) 
وهذا الفعل ( حالي / مستقبلي ) الزمن ، يعني انه ( متَّجدُّد الحدوث ) فتكون المقاربة
اعلاه ( تفتح الحياة ) تعني = تجدد الحياة
* الاشارة ( تأبَى ): دال فعلي ، مدلوله اللغوي يفيد النفي : تتَنَزَّهَ و تتَرَفَّعَ عَن الشئ
، ولم ترض به / ومن مرادفات عدم الرضى : الرفض ، الاعترض ، والمعاندة ، 
وباستحضار المفعول به / الموت ، تكون الدلالة والمقاربة :
ترفض وتعاند الموت / المقاربة : عدم الاستسلام له / مجابهته 
بتكثيف مقاربة عدم الاستسلام والمجابهة تغدو : تحدي الموت
وهذا التحدي مستمر من الوقت الحاضر حتى المستقبل / الدلالة الزمنية لمضارعية تأبى 
ولما كانت دلالة الموت : انطفاء وتوقف الحياة ونهايتها 
فهذا يعني وجود تقابل حاد بين : التفتح / التجدد ( براعم ) و الانطفاء ( الموت ) 
نفي احد المتقابلين( الموت ) يؤكد الاخر (الحياة )
وباعادة تركيب الدلالات التي نتجت عن تفكيك بنية سطح العنوان ، يكون معناه التحتاني:
الحياة المتجددة تتحدى الموت 
تفكيك العنوان ، واعادة تركيبه ، امدنا بثلاثة مفاتيح وافادة تاويلية ستساعدنا على 
الولوج لعالم النص ونحن مسلحين بأدوات قرائية تحليلية فاعلة ، وبهذا ادى العنوان
الفائدة المتوقعة منه ، ويتبقى ان نحدد اسلوب لغته الشعرية لمعرفة نوع العلاقة
التي ( تربطه / تفرقه) مع بنية اللغة المتنية :
سيميائية البنية العنوانية ، بشئ من القراءة التحاورية ، باحت لنا بسر مركباتها 
اسلمت لنا اشاراتها السياقة دون حدة ازاحةٍ، او تمنّع رمزيةٍ،
او غموض مقاصد ،ودون تقريرية مباشرة ايضاً ، 
مما مكننا ، من تفكيكها والوصول الى معاني دلالاتها التحت سطحية ، دون طول عناء
من صعوبة تأويلها ، ولاوقوع في شراك عبثية الترابط الدلالي لعناصر بنيته اللغوية
وهذه من خصائص الاسلوب التعبيري 
والان سنقوم بدراسة بنية المتن اللغوية، بقصد تحليل سيميائيتها وتفكيك اشاراتها لمعرفة
طبيعة العلاقة الجدلية التي تربطه بالبنية العنوانية ، وسنعتمد هنا على ما تحصلناه من 
دراستنا اعلاه من مفاتيح ومقاربات دلالية : 
(( بريق الشعاع يزهر في عالم يستنشق الدجى، يموج كما تموج الصحاري ،حينما تمتطي 
صهوة الخواء، تصطف الطيور باكية ً أطياف القزح الرمادية ، من وراء القضبان الشفافة،
ينبض قلب الربيع، وتورق الأقواس براعم تأبى الموت.))
تباغتنا لغة المتن ، عند قراءتها على عجل قراءة اولية ، بوعورة تضاريس سطحها 
الدلالي :
ـ ازاحات دلالية حادة ( يستنشق الدجى / تموج الصحاري / اطياف القزح الرمادية ،..) ، ، ـ لاترابط دلالي بين اجزاء العبارات السياقية ( تموج ـ الصحاري / صهوة ـ الخواء
/ القضبان ـ الشفافة 
ـ غرائبية الصورة وصمتها الدلالي ( يزهر في ...الدجى / 
ـ ضعف الاتساق بنى دلالية مقطعية ، فاقدة لمحسوسيتها / ذهنية المعنى ( بريق الشعاع يزهر / تمتطي
صهوة الخواء / تصطف الطيور ... )
كل هذه الانحرافات الدلالية عن معايير المقبولية الذهنية للمعاني واشتراطات التواصل
الخطابي ، والانغلاقية ، اللاقصدية .. توحي ان اسلوب المتن هو تجريدي ، وينيته الدلالية مقابلة
للبنية العنوانية وغير مرتبطة بها ....، لكن ورود العنوان بتركيبته اللغوية الكاملة في نهاية
المتن كمقطع ختامي (( وتورق الأقواس براعم تأبى الموت.)) ، يجعلنا نعيد النظر في 
حكمنا السابق نعيد قراءة المتن من جديد بروية ، باستحضار المفاتيح والمقاربات الدلالية التي
زودنا بها العنوان، المار ذكرها في بدايات الدراسة :
لاقصدية النص اذا ما أُعتبرَ تجريديا استناداً الى ما خلصت اليه القراءة الاولية السابقة ،
يفندها حضور العنوان بكليته كمقطع ختامي فيه، فعودة تذكيرية سريعة لما عرضناه في 
بداية دراستنا عما حدده وبينه علم العنونة من اهمية للعنوان وتعدد وظائفه ، في تأويل 
دلالات النص ومقاربة معانيه ،ومنها أنه يُعدُّ مفتاح سياقه ومرجعه وكاشف ملامحه 
المضمونية ، بل انه يتضمن الموضوع النصي ، والنص يشكل اجزاء هذا الموضوع ، مما
يعني انه لابد ان يكون مرتبطاً بنيوياً معه بعلاقةٍ ما ، يتوجب علينا معرفة نوعها ، ولهذا
سنعيد قراءة المتن مرة ثانية وبشكل اكثر عمقاً، وتفكيكه للتعرف على معانيه التحتانية
ومن ثم الوصول الى تحديد اسلوبه ومعرفة امكانية ارتباطه سيميائياً ومضمونياً مع العنوان: 
( بريق الشعاع يزهر في عالم يستنشق الدجى )
تفكيك سيمياء لغة جملة المطلع :
سأكتفي منها بالبُنى ( النحوية ، الدلالية والصرفية ) كونها تفي بمتطلبات الدراسة :
ـ البنية الدلالية 
الاشارة ( يزهر ) مفتاحية لسياق العبارة ، فهي الرابط الدلالي والنحوي بين طرفي جملة
مطلع النص ، وهي جملة فعلية في اصلها / يزهر بريقُ الشعاع ، قُدِّمَ الفاعل و المضاف 
اليه جوازاً ،على الفعل، لغاية تفسرها أحالتهما ( المقدم والمقدم عليه ) على العنوان / قصدية 
حذف المبتدأ جوازاً ) من جملة العنوان كونه مرجع النص / هذا ملمح اول على وجود الترابط ( المتن ـ عنواني ) 
وللتعرف على معنى المطلع المخبوء سنفككها كما يلي : 
يزهر : دال فعلي لازم ،سياقي المدلول يتحدد معناه نسبة الى فاعله في السياق 
كما في :
أزهر النَّباتُ : طلع زَهْرُه أو نبته ، بدأ في النّموّ أو التَّفتُّح
أزْهَرَ النارَ وغيرَها : أضاءَها
أزهَرْتَ زَنْدِي : رفعتَ شأني أو قَضيتَ حاجتي
أزهر النَّجمُ : تلألأ وأشرق وأضاء 
ولتحديد المدلول الاقرب اليه مما تم عرضه لابد من وجود مسوّغ يمكن الحصول عليه
من تحليلي بنيتها النحوية كما يلي :
يزهر : فعل مضارع يدل زمانياً على الحال والاستقبال، فاعله ضمير مستتر ( هو)
يعود / محال ، على الاشارة الاسمية ( بريق / مصدر برَق )، وهو سياقي الدلالة مما يجعلنا 
نحيله خارجياً / المعجم ،لنتعرف دلالاته المعنوية فنجد انها نسبية ايضاً ومتعددة بتعدد ما 
اسندت اليها من اشارات كما في الامثلة التالية :
بريق عينين : لمعان ، توقُّد ، إشراق 
بَريقَ أَمَلٍ : شُعاعٌ ، وَميضٌ ، بَصيصٌ ، ضَوْءٌ خافِتٌ
بَرَقَتِ السَّماءُ : لَمَعَ فيها البَرْق 
بَرَقَ الصُّبْحُ : تَلأْلأْ بَرَقَتْ أَسارِيرُ وَجْهِهِ بَرَقَ السَّيْفُ
واقرب هذه المعاني الى قصدية الدراسة هو ماعناه المثال الثاني اعلاه 
( بريقَ أَمَلٍ : شُعاعٌ ، وَميضٌ ، بَصيصٌ ، ضَوْءٌ خافِتٌ ) لوجود مسوِّغين اثنين :
الاول ـ ان الاشارة ( شعاع )وردت في جملة المطلع النصي مضافة الى ( بريق )/ بريقُ شعاع
الثاني ـ مدلول الدال شُّعَاعُ : الضوءُ الذي يُرَى كأنه خيوط / خافت
ورد كمرادف للشعاع في معنى المثال الثاني ( بريق امل ) 
وبإعادة تركيب الدلالات الناتجة من التفكيك اعلاه يكون مدلول ( يزهر ) :
بريق / وميض + شعاع/ ضوء = يزهر / اشرق
وبازاحة اشارات سطح النص تكون مقاربة المعنى التحتاني لها :
وميض ضوء اشرق
وبتكثيف هذه المقاربة دلالياً :
وميض + ضوء + اشرق = نهار
وللنهار رمزيته المتعددة الاشارات ( الحرية ، العلم ، الامان ...الخ) توحي الاشارة الاخيرة
في هذه المقاربة (اشرق ) بان دلالتها مشروطة ، مما يثير في ذهن القارئ ما اسميها ( التوقعية ) ،
في ان يكون المقطع المابعدي ، سيحقق هذه الدلالة ، فالتوقعية هنا ان تححققت فستؤكد وجود
ترابطية اتساقية بين بنيتَي كلا المقطعين مما يعني ان اسلوب المطلع المتني هو تعبيري 
فالترابط والاتساق اشارتان قويتان على وجود ( قصد ) والقصد من خصائص الاسلوب التعبيري
فقط ، و لتأكيد / نفي هذا الترابط الاتساقي سنفكك المقطع المابعدي ( في عالم يستنشق الدجى )
وقبله نشير الى مشروطية ( اشرق ) التي تتوقف على تحيقها ، تكامل دلالتها :
دلالة الاشارة ( اشرق ) المعنوية مشروطة بوجود ظرف زماني كي تحقُّقَ فيه الشروق حين 
تعلن انتهاءه ، وهو الليل
فلولا ظلامه الذي يبدده الشروق معلناً عن بزوغه ، لإنتفى معنى الشروق / الإزهار 
و للظلام رمزيته المتعددة الاشارات كذلك ( ظلم ،جهالة ، سلطة الجائر ...الخ ) ،وهذا له صلة
بنتائج تفكيك بنى العبارة المابعدية / النحوية ،الدلالية والصرفية كما يلي :
في : اشارة حرفية ، دلالتها تضمن معنى الظرفية
عَالَمُ : مبتدأ / في حقيقته فاعل مقدم جوازاً بقصدية تحددها احالته الداخلية على ( العنوان )
وهو ظرف مكاني فتح التنكير حدود دالته فجعلها متعدد المدلولات (سياقية ) ويمكن ان تكون
اي مكان في عموم مساحة كوكب الارض ،لكنه مخصوص بالصفة ( جملة فعلية) التي جعلته
مستمر في فعل الوجود 
المقاربة الدلالية : ظرف مكان يكمل ظرف الزمان لتحقيق حدث الشروق 
يستنشق : اشتقاق صرفي على وزن/ يستفعل ، من الفعل ( نشق ) 
والدلالة المعنوية لهذا الوزن : طلب الشئ
فيكون معنى يستنشق : يطلب شيئاُ مادياً ملموس لغاية ما :
ــ ما يُشَم كالعطر بقصد الحصول على نشوة / طلب الاتزان النفسي
ــ ما يوضع داخل الانف كالسعوط لأحداث العطاس / طلب الاتزان الصحي
ــ ما يجذب من الماء بالنفَس عند الوضوء للتطهر / طلب الاتزان الروحي
وهذه الافعال تُقرر ارادياً بقصد الحصول على مقابل مادي 
المقاربة الدلالية للفعل يستنشق : البحث عن الاتزان 
الدجى : سَوَادُ الليل ، ظُلْمَتُهُ ،وهو اثر معنوي محسوس له ذو اشارة رمزية (الظلام )
المار ذكرها ، 
حلولية الظلام في العبارة كمفعول به معنوي للفعل المادي الاثر ( يستنشق الدجى ) ، ضمنته دلالةً
رمزية يمكن مقاربتها معنوياً :
البحث عن الاتزان النفسي بنشدان الظلم 
وتكثيفها / الاتزان = الظلم 
باستحضار مقاربتَي ركنَي عبارة المطلع : 
وميض ضوء اشرق = نهار / البحث عن الاتزان = ظلام
المكافئ الدلالي :
النهار = الحرية / الظلام = الظلم
اختزالها : الحرية مقابل الظلم 
بالعودة الى ( اشرق ) وظرفية الظلام الذي لولاه ماتم فعل الشروق :
الشروق فعل بداية (النهار ) ونهاية (الليل )
بإحالته داخلياً ( العنوان ) / براعم تأبى الموت :
الشروق / تجدد الحياة وتحدي الليل / الموت 
وبازاحة الاشارات النصية :
الحياة المتجددة تتحدى الموت 
تكرار عبارة العنوان في نهاية النص اكد انتصار الحياة وهزيمة الموت 
( ينبض قلب الربيع وتورق الأقواس براعم تأبى الموت.)
مع وجود هذه الاشارات المفردة والمركبة الدلالية بعد مطلع المتن وخاتمته : 
( يموج كما تموج الصحاري حينما
تمتطي صهوة الخواء، تصطف الطيور باكية أطياف القزح الرمادية، من وراء
القضبان الشفافة ، ينبض قلب الربيع، وتورق الأقواس براعم تأبى الموت.)
التي تمثل مشاهد ( تصويرية ) لآثار الفعل الظلامي السالب لمعاني الحياة : 
فذلك المسرح المكزماني ( عالم ) ، لايهيج ويضطرب ( يموج )
فيه سوى الخواء والقفر (كما تموج الصحاري ) ، تنعدم فيه الحياة 
فلا غير الجمود والانطفاء ( تصطف ) لرموزها ( الطيور ) تتحرق حزناً ( باكية )
على اطلال معانيها المحترقة ( اطياف القُزح الرمادية ) . لكن ارادة تفتح الحياة
تبقى حية ( ينبض قلب الربيع ) رغم أسرها ( من وراء القضبان ) ، فهذه القضبان
عاجزة ( الشفافة ) عن منع ارادة لابد لها ان تتفتح ( وتورق ) وتنتصر ( الاقواس ) 
وتتجدد ( براعم ) فهي تتحدى ( تابى )الموت 
لغة الاسلوب اذاً لغة تعبيرية ، لوّن الشاعر سيميائيتها بمسحة تجريدية لإخفاء مقصدها
الثوري لغاية ربما تكون تمويهية تبعد عنه عيون ( الظلاميين ) التي تطارد كل نبضةٍ 
تنويرية ، بعد ان تحكموا بأسباب الحياة وصادروا ارادة تجديدها من وعي الاحرار كما
يتوهمون ، وتعمد الشاعر السكوت ظاهرياً عن هذا المعنى وخبّأه تحت سطح النص .
ـ باسم عبد الكريم الفضلي / العراق ـ

اطفال قريتي // للشاعر د : المفرجي الحسيني // العراق

اطفال قريــــــــــــــــــــتي
---------------
أزفّت ساعة الأصيل
ازددت حباً لقريتي
كل شيء ذهبياً
نبدأ الدرس أطفالي الأعزاء
قريتكم لكم ولأولادكم
لا تستغرب أن تموت مسجوناً
رؤوس صغيرة افواه وحدقات 
تشع بضياء الحياة
طفل أجعد الشعر أسمر البشرة
يا معلمي من هم أعداء القرية؟ 
: من يخطف الخبز من أفواه الفقراء
يتاجر بأرزاق الناس يحمل هويتين
يبيعك أبخس الأثمان
علينا نعرف ونتعلم كيف نحب المكان
أقلامكم الصغيرة تكتب لحب القرية
تُغرز في قلوب أعداءها سهما
أحبك رغم مرارة العيش
تحت سمائك وعلى أرضك
*****
د.المفرجي الحسيني
اطفال قريتي
العراق/بغداد
7/2/2018

لقاء الروح // للشاعر الاستاذ : عبدو الكسيري الكوشي // المغرب

//لقاء الروح//
تيه الروح في الروح
ذوبان بحجم الشوق..
ذلك الستار له زوال
لقاء الوجد يوم السعد..
فذات مليح جاءت بعفو
تطمس الجرح بالعناق
تجعل الكف في الكف..
تهمس بلفظ كالعصف
يهز الروح دون قصف..
كورد يأتيها من كل صوب..
دوران عبر ثغور العتيق
تحيتها رحيق ثغر من عذب
المشارب قدح شرب..
تكاد تسقط بعد رشف..
إذ لذته فورة الانتشاء
ترتقي مراتبه دون نزف..
عبدو الكسيري

السلطان والحوت // للشاعر الاستاذ : حسين جبار محمد // العراق

السلطان والحوت
٢
كان الحوت صغيرا،اذ امسك سلطان البحر زمام الموج..
مرات....هب،في اردية الحصن
كان الصوت يعيدا، وصداه غنيا بضياع النور
كان الحوت صغيرا اذكلم سلطان البح.ر حكيم الليل..
مركبه معقوف الوجه....وجيب القلب فيه ثقيل
لم يكن الصخر صديقا
لم يفق الشوك من اثر الموجة
او من جهل السلطان
او من وجع الحوت
كان الامر يسيرا في جدل النوم اذ اب القوم لزمجرة الوحل
في مندفع السهل،اذ سهرت اوراق الغابة في ليلتنا،
اذ هم القوم انينا
بغطيط الوحل
اذ سفح الطيف اول اسرار طفحت
في راهن سفر، لم يكتب في باطن ارض الحوت.
كان الامر غريبا حين السلطان
مزق في غفلته اول اوراق كتبت في ورد المركب
اذ دخل الفتية في غبش الفجر لكهف الشمس
والسحر حثيث بتبلج اضواء المرسم في وحشة ركبان
قلب البحر سواكنه في اول ليلتهم
ما كان المكنوز لرقدتهم
اثر للسلطان الغابر
او عين للمجد السالف
او مرمى كشف ترحلهم
كان نحاسا صدئا او فرحة اعمى
في وقعة صيد النهر
او كان القطر شحيحا في هاجرة الصحو...

عَمّ يتَساءَلون // للشاعر الاستاذ : عادل قاسم // العراق

عَمّ يتَساءَلون
عادل قاسم
َ
مِنذُ أَنْ كنتُ في العاشرةِ
من عمُــري،،وأنا
أَتَفحصُ كلما يُحيط ُبي
السماءَ الزرقاءَ وماذا تعني
ومابعدها،،
-الناسَ الذينَ يموتونَ
والذينَ يُولدون
الحزنُ الذي يَشوبُ
قسماتِ وَجهيْ أُمي وابي
الحُروب التي ابتلعتْ أَصدقائيُ
أَشقائيَ الذينَ ماتوا تِباعاً
أَبي الرجل الفقيرالمُجهدَ
وأتساءلُ ببلادةٍ
-لماذا أنا هُنا
احزنُ كَثــــيراً ،اعتَزِلُ 
أَهليَ ،اصدقائي ،،لأيامٍ،
ربما لأسابيع،،
ليستْ لديَ إجابة عمَّ يَتساءلون
وحينَ حاولتُ أنْ اتناسى
ربما سأجدُ مايبددُ حَيرَتي
لأجدَ ضالتي ،
واليوم وبعدَ أربعينَ سنة
يتكررُ ذات السؤال 
لمــــاذا
أنــــا هُنــــا،،؟