الأحد، 25 نوفمبر 2018

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // في الطريق إلي // بقلم : جميل شيخو // العراق

" في طريقي إليّ "
في طريقي إليّ
اَتعرَّفُ على الأشياء .. حفرةً حفره !
في طريقي إليّ
اَصطدمُ بالوجوه .. صخرةً صخره !
في طريقي إليّ
اُكسِّرُ الخرافات .. جرةً جره !
في طريقي إليّ
اَفضحُ الواقع .. عورةً عوره !
في طريقي إليّ
اَزرعُ الأسئلة .. بذرةً بذرة !

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // مناغاة الروح // بقلم : روضة البو سليمي // تونس

& مناغاة الروح &
قالت لي بالكامل
اسمها
و عمرها
...سمعت من الورق كلماتها
و دون تفكير ..بل و بعد تفكر
قررت رسم ملامحها و تفاصيل
وجهها...
رسمت سيدة لكل الفصول
.... ما شاء البديع الخالق
ما أزكى عطر أنفاسها !!!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
توقّفت بعض الوقت
ألوم النّفس ...
أهدّئ من حيرتها..
حتّى لا تفشل قطّ
فى وصف محاسنها
فبحر عينيها وحده
يفور سحرا ...
يصرخ
أن لا انثى مثلها..!
و يردّد واثقا أنّها
سرّ الفتن ، وأنّها
أسرار كلّ البهاء
فحتّى من حملتها..
تسعا /
تنبّأت لها باسم أخضر
ليس ككل الأسماء
فها الارض و ها السماء
تعلنانها خليفة لحواء
و يتوجانها سيدة كل النساء
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
...سيدتي الحسناء...
دعيني اقف حينا هنا
خليني اتوقف هناك ببابك
دعيني ألج الى سدة محرابك
لأعلن ايماني وأشهد دون قسم
و أقسم تالله بأنك /
أنت لست الا سيدة نبيلة
و أنك و بلا منجزات صرت
في مخيلتي فوق حواء...!!!
و لك سأنحت مفردات جديدة
و لك سأستحضر أرواح كلّ الشّعراء
و ادعو كبير الأدباء على الهواء
و لك لا لسواك
ساغني المعلقات
و أبدع نايا سعيدا
و لك وحدك لا لغيرك
سأهمس بأشياء و أشياء
دعيني أقترب في خشوع قليلا
حتى اضع في كفك تباشير الصبح
و ارد مرتعشا على عينيك الواسعتين
تحيات الظهر و العصر و تحية المساء
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
سيدتي...ياسيدتي..
يا زهر النارنج/
يا فراش الحقول
يا اعتدال الفصول
يا نسائم البهجة
يا سحر الربيع
فأي امراة تكونين..؟؟
و قد هزمت في ارضي
بنات و حفيدات حواء.؟؟
قطعا و لا ريب أراك في العشق
استثناء..استثناء ...استثناء/
===============/وضة.....

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // نص بقلم : ستار مجبل طالع // العراق

نظرت بعين اسدلت جفنيها رهقا
الى سماء بيضاء
حتى سُكِرتْ أبصارَ قلبي في نور
وليلٍ جُنَّ بصمت صاخب
وانوار تفضح اسرارها واخرى تختبءُ
تنتظر عين مبصرة
وقلب مهتدي
نظرت في أسمال نفسي
وجدتها تحمل الثراء والثريا
كانها سماء مُلِئَتْ سيارة وشهبا
خبء كثير فيها لا اعلمه
اسرار
من حين لحين تنكشف
وانا الجاهل لما يحمل
يخرج الخبء فاعرف ما لله بالله
ويشرق في اطباق قلبي نور ربي
ولما تزل اسراره لا تنكشف
فاعرف بعض نفسي فاعرفه
ما زال يظهر مني ما خفيَّ عني
ولم اعرف يوما انه مني
وهو اعلم ما اودع من صنعه فيَّ
يُمضي سلطانه عليّ
مثل الحكيم يرى في العليل ما لايُرى فيه
ويمضي ارادته في شفاء الداء
سنار مجبل طالع
23/11/2018

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // الامة التي لاتعرف تاريخها لاتحسن صياغة مستقبلها / بقلم د . صالح العطوان الحيالي // العراق

الامة التي لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي -العراق -15-11-2018
تأتي أهمية دراسة التاريخ من كون أنه نابع من تصوراتنا المستقبلية، التي لا يمكن أن نبني أو نضع الأسس الصحيحة والمتينة لأجيالنا ومؤسساتنا نحو مستقبل مزدهر وواعد، دون النظر إلى القوانين التاريخية التي حكمت ورسمت عوالم بناء حضارة وتقدم ورقي أي أمة دون الإغفال عن أسباب التقهقر والضعف الذي يدب في أوصال الدولة التي تكون عادة في قمة عنفوانها وقوتها والذي ينتهي بأفول زمنها وأيامها، وتبقى سيرة تقلبها صفحات التاريخ والتي تبقى بدورها مادة خام وغنية بل وممتعة للباحث الذي يبحث عبر دروب التاريخ لاستخراج العبر والقوانين وإسقاطاتها على الواقع المعاش، والتي عادة تكون مشابهة للماضي، قال تعالى في كتابه العزيز (وتلك الأيام نداولها بين الناس…).
لذلك فإن الأمة التي لا تهتم بتاريخها وماضيها ورموزها… فإنها بالتأكيد ستتخبط في مواجهة التحديات والمعوقات الحضارية الحديثة، التي تتطلب إمكانيات فكرية وعلمية مع الاعتزاز بتراثنا الديني واللغوي والثقافي.. أما إذا دخلنا في الركب الحضاري المعولم دون الالتفات إلى جذورنا وهويتنا فإننا نبقى مثل ذنب الكلب الذي يراوح مكانه في جميع الاتجاهات دون هدف محدد أو واضح.
وهذا هو حال أمتنا الإسلامية والعربية التي ليس لها أي نفوذ أو تاثير على الخارطة السياسية والاقتصادية على الساحة العالمية علما أننا عندنا من الطاقات والإمكانيات التي يجب أن نستثمرها لصالح نهضتنا وتقدمنا، ولن يتأتى هذا بدون النظر إلى تاريخ أمتنا من عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر بإيجابياته وسلبياته وتعليمه للأجيال الصاعدة والناشئة، لكي تكون لنا خلفية حضارية قوية تمكننا من خوض غمار التقدم والرقي والعزة، التي كانت لنا منذ زمن قريب وليس ببعيد، والقرآن الكريم يحثنا في عدة آيات على النظر في سيرة الأمم والدول التي كانت سائدة ثم خسفت ونسيت وبقيت ذكرى تتداولها مخطوطات وكتب التاريخ..
وكما هو معلوم فإن ثلث القرآن هو عبارة عن قصص.. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أهمية دراسة التاريخ والاتعاظ به، لكي يكون لنا نبراسا نضيء به دروب المستقبل لكي لا نقع في أخطاء الماضي ومن هنا تأتي علاقة الحاضر بالماضي.
أما بخصوص الدعوات التي يطلقها بعض الأشخاص بعدم جدوى دراسة وفهم تاريخنا، فإنها دعوات غير مقبولة وغير معقولة البتة، لأنها تنم عن عدم تقدير وقصور في الرؤية الماضوية والمستقبلية. فإذا كان الله عز وجل قد أشار في كتابه العزيز إلى ضرورة استنباط الدروس والعبر التاريخية من قصص الأنبياء مع أممهم، فإن هؤلاء الذين يطلقون هذه الأفكار التي تدعو إلى نسيان الماضي وعدم ربطه بالحاضر، هم مجرد غوغائيين لا فائدة منهم وفاقد الشيء لا يعطيه...
هي مقولة عظيمة تلخص حال الأمم للكاتب والفيلسوف الامريكي جورج سانتايانا : “أولئك الذين لا يتذكرون ماضيهم مكتوب عليهم أن يعيدوه”, فهناك من يتذكرون تاريخهم وهناك من ينسوه ويتناسوه ويتركوه لقمة سائغة لأعدائهم يطمسوه ويقومون بتشويهه كيفما ارادوا وأينما توافق مع ما خططوا له. و عن تدبر سنن الحياة ومجري التاريخ يقول دكتور مصطفي محمود في كتابه – من أمريكا الي الشاطيء الأخر : “من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً, و سوف يرى الدنيا أياماً يداولها الله بين الناس. الأغنياء يصبحون فقراء, والفقراء ينقلبون أغنياء, وضعفاء الأمس أقوياء اليوم, وحكام الأمس مشردو اليوم, والقضاة متهمون, والغالبون مغلوبون والفلك دوار والحياة لا تقف, والناس يتبادلون الكراسي”
من المشهور بين الناس أننا نقرأ التاريخ من أجل الاستفادة من عبره ودروسه، وحتى نتمكن من مقارنة أحوالنا بأحوال من سبقنا؛ فنزداد بصيرة وخبرة بما يجب أن نفعله، وبما يجب أن نتركه، وهذا المشهور لا شكّ في صحته، وإن كان من يستفيد من عبر التاريخ دائمًا قلة؛ لكن هناك لفهم التاريخ ووعي معطياته فوائد أخرى مهمة، في مسائل التربية والإبداع، والتجديد، واستشراف المستقبل، والتعمق في فهم العلوم.
الأمم العظيمة تستخدم التاريخ أداةً للتوجيه وأداةً للتربية؛ إذ تتخذ من إنجازات الآباء والأجداد، ومن سير العظماء -محفِّزات على السموِّ والعطاء والاستقامة، وهذا - إذا سلم من المبالغة والتهويل والقراءة المنحازة- يُعدُّ شيئًا مفيدًا وجيدًا. المربون والمعلمون والدعاة يختلفون اختلافًا واسعًا في توظيف ما يُعد مصلحة معرفية وأخلاقية، فمنهم من يستخدم تلك الحصيلة للبرهنة على فضل السلف وانحطاط الخلف! ومنهم من يستخدمها من أجل تعليم الناشئة الإذعان للمجتمع والتكيف مع الظروف الحاضرة، وقليلون أولئك الذين يوظفون المستخلَصات التاريخية في إيقاظ الوعي، وتدعيم الحس النقدي، والحفز على الوصول إلى شيء جديد، وسبب ضآلة هذا النوع من التربية والتعليم يعود إلى أننا حين نقرأ التاريخ لا نتوقع منه أن يساعدنا في فهم واقعنا وتطوير هذا الواقع.
إن الكثير من شبابنا منغمسون في تلبية الرغبات الآنية، أو غارقون في هموم تأمين الحاجات الضرورية، والبعض الآخر منهم حائر في أمره ومستقبله! ومن مهام التاريخ حين يُدرّس بطريقة صحيحة أن يساعد الناشئة على الانفصال عن الواقع، وأن ينقذهم من الضياع في معطياته.
إن التاريخ يدرس الآن على أنه سلسلة أحداث التاريخ عبر سرد متماسك، يربط المعاصرين بأسلافهم، ويسلط الضوء على سلسلة التطورات الإيجابية والسلبية التي صنعت الفرق بين مرحلة ومرحلة، وبين جيل وجيل، وهذا يتطلب أن ندرس مع التاريخ فلسفته وفقهه، وأن نثير الأسئلة حول أسباب وقائعه وأحداثه، ونبحث عن العلل والمقدمات والجذور، ونكتشف سنن الله - جل وعلا - في الاجتماع البشري، ونجلو طبيعة النفس البشرية في إقبالها وإدبارها، إن التاريخ حين يُدرس بهذه الطريقة، يحسّن مستوى البصيرة لدى المتعلمين، ويمكنهم من امتلاك الأدوات التي ينقدون بها الواقع الذي يعيشون فيه عوضًا عن أن ينجرفوا مع تياراته العاتية من غير أي قدرة على التأبّي والممانعة.
إن نقد الواقع يساعدنا على بلورة ملامح الهوية التي تميّزنا عن غيرنا، كما أنه يفتح السبيل أمام تطوير هذا الواقع وإخراجه من سياق التداعيات والتحوّلات العمياء التي تصنعها العولمة بإمكاناتها الهائلة.
إن الهم الذي يسيطر على المدارس والجامعات اليوم هو إعداد خرّيجيها لسوق العمل؛ أي مساعدتهم على أن يكرّسوا عقولهم وطاقاتهم، وأن يكيّفوا اتجاهاتهم وميولهم مع ما يساعدهم على كسب لقمة العيش، أو بعبارة أخرى: تعدُّهم لأن يكونوا مسمارًا صالحًا في الآلة الكبرى التي يديرها رجال المال والأعمال، وهذا الاتجاه في التعليم مطلوب وإيجابي، لكن ينبغي أن نكون على وعي بالتأثيرات الجانبية السيئة لهذا التوجيه في التعليم وفي إعداد الناشئة للحياة.
إننا حين نعدّ الأجيال للتكيف مع سوق العمل، عن طريق تلقينهم معلومات تجعل منهم أشخاصًا تقنيين تنفيذيين كما يجري الآن - فإننا نجعل منهم أشخاصًا عاجزين عن المساهمة في إيقاف التدهور الذي تتعرض له مجتمعاتهم.
إن التطور الاجتماعي يتم بطريقة غير واعية، ومن مهام المثقفين -على اختلاف درجاتهم- أن يساعدوا الأمة على تجاوز الأزمات الكبرى التي تتعرض لها من خلال تراكم الأخطاء والخطايا الصغيرة والكبيرة للأجيال المتعاقبة، ولا يستطيع المثقفون والمتعلمون عامة القيام بهذا الدور إلا إذا تلقّوا العلم على أنه تحرير وعتق من الاستكانة للقوى الغاشمة، ومن التقليد الأعمى للآباء والأجداد، وإلا إذا تلقّوه على أنه وسيلة للتكيف مع الواقع، ووسيلة لترشيده وتحسينه أيضًا، ومما يساعد في بلوغ هذا العمل على إضفاء الطابع الأخلاقي والإنساني على المعرفة والتقنية، فالعلم للعمل ولخدمة الناس ونصحهم وتصحيح أوضاعهم. يجب أن نعلم الناشئة الدور التاريخي الذي قام به العلم في بناء الأمة وتشييد الحضارة الإسلامية، إضافةً إلى توضيح دور العلم في تكوين الرجال العظام على امتداد التاريخ الإسلامي، يجب أن يطلع الناشئة على تاريخ الحركات الإصلاحية الكبرى، وعلى العوامل والأسباب التي تساعد على نشوء الأفكار العظيمة ذات الطبيعة الاختراقية إذا ما كنا نريد للتاريخ وللعلم أن يساهما في تجديد الأمة ودفعها نحو الأمام.
في بنائنا المعرفي ثغرات واضحة، لا تخطئها عين الناقد، وتلك الثغرات كثيرة، ولعل من أهمها: إهمال تاريخ العلوم، وإهمال اكتشاف مقاصد التشريع، إضافةً إلى التقصير الظاهر في التعرف على سنن الله تعالى في الخلق، والتقصير في معرفة طبائع الأشياء، ولا سيما الطبيعة البشرية.
إن العلوم الإنسانية والعلوم البحتة كذلك تُقدَّم للناشئة مبتورةً من بُعْدِها التاريخي؛ فتبدو وكأنها تكونت منذ البداية على الصورة التي عليها الآن؛ حيث لا يعرف الدارسون تاريخ نشوئها ولا الأطوار التي مرت بها، كما لا يعرفون شيئًا ذا قيمة عن العلماء الكبار الذين تركوا بصماتهم عليها، ولهذا فإنك لا تشعر أن ما نقدمه في المدارس والجامعات يبني عقولاً منهجية، أو يبني شخصيات تتمتع بالاستقلال الفكري والمعرفي، وما ذلك إلا بسبب شعورهم بضآلة ما يتلقونه وغموضه.
إننا في الحقيقة لا نستطيع أن نفهم أي علم على نحو عميق، إلا إذا فهمنا تاريخه وخارطة تكوينه وتحوّلاته، ومن المؤسف أننا لا نبذل جهدًا يذكر في شرح كيفية تحدُّر الجديد من القديم، وليس لدينا أي جامعة أو كلية أو معهد يقدم شيئًا متميزًا في تاريخ أي علم من العلوم!
إن التجديد المعرفي والاجتماعي سيكون صعبًا من غير الاطلاع على الأطوار السابقة لعلومنا وأوضاعنا، إننا من خلال قراءة تاريخ العلوم نتعرف على بواعث الاجتهاد وبيئاته والعقبات التي تواجهه، كما أننا ننمي لدينا حاسة المقارنة، ونكتسب المزيد من المرونة الذهنية، والمزيد من القدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة، وقد صدق من قال:"إذا أردت أن تعرف المستقبل فانظر إلى الماضي"؛ إذ تمكّننا معرفة الماضي من اكتشاف السنن التي تجسد العلاقة بين ما فات وبين ما هو آت، ومن خلال هذا وذاك نكتشف آفاقًا جديدة للتطوير، ونفتح حقولاً جديدة للممارسة، وقد آن الأوان للعمل على استدراك بعض ما فات، والعمل على توظيف التاريخ في تغيير نوعية الحياة لمئات الملايين من المسلمين.

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // صَبري مَنْ يُصبِّرُهُ // قصيدة بقلم : بشير عبد الماجد بشير // السودان

صَبري مَنْ يُصبِّرُهُ
***
شوقي إليكِ يُـذيبُ الصَّخْـرَ أيْـسَرُهُ
فكيفَ يَسْـلَـمُ قـلـبي وهْـوَ يَـغْـمُـرُهُ
الصُّبحُ يأْتي كئـيـباً ثُـمَّ يُـسلُـمُـني
لِلَّـيلِ يَـجْثُمُ في صدري وأَسهَـرُهُ
أسائِلُ الـنَّجْـمَ يَمضي غيرَمكتَرِثٍ
ولا يَـرِقُّ لِـحَـالـي أو يُـقَـدِّرُهُ
وأسألُ الشِّعْـرَ سُلواناً يَجودُ بِـهِ
فلا يُجيبُ بغير الصَّمْتِ يُؤْثرُهُ
والذِّكرياتُ عَذابٌ حين تبرزُ لِي
ذاكَ النَّعيمَ الَّذي عَـيناكِ مصدرُهُ
يا مَنْ وهَـبْتِ لِقـلبي كلَّ بَهجَـتِهِ
على غِـيابِكِ صبري مَنْ يُصَبِّرُهُ
متى أراكِ وجَمْرَ الشَّوقِ يُطْفِئُهُ
منكِ الحَـنانُ على كـَفَّيَّ يَـنْـثُـرهُ
والحُـبُّ يسمعني لَـحْناً أتوقُ لَهُ
من الضُّلوع ونَبضُ القلب مِزهرُهُ
يظَلُّ يُطرِبُني والصُّبحُ مُـؤْتَـلقٌ
والَّليلُ يُصْغي وسِحْرُ الَّلحنِ يُسْكِرُهُ
واستعــيدُ زمانَ الـوَصْلِ ثانِـيَـةً
أبْهَى وأمْـتعَ مِـمّا كنتُ أعْـهـدُهُ
واستَـرِدُّ حَـياتي حِينَ أُبْصِرُها
ويَثْأَرُالقلبُ من شَوقي وأنْصُرُهُ
ويِرقُصُ الشِّعْـرُ مَزهُـوَّاً وتُسْعِدُهُ
لُـقْيا الجَمَالِ وتُبدي السِّحرَأسْطُرهُ
وكيفَ لا ؟ وهْوَمِثْلي عاشِقٌ كَلِفٌ
من كأسِ خَمْرِالهَوى قد فاضَ كَوثَرُهُ .
الصُّبحُ يأْتي كئـيـباً ثُـمَّ يُـسلُـمُـني
لِلَّـيلِ يَـجْثُمُ في صدري وأَسهَـرُهُ
أسائِلُ الـنَّجْـمَ يَمضي غيرَمكتَرِثٍ
ولا يَـرِقُّ لِـحَـالـي أو يُـقَـدِّرُهُ
وأسألُ الشِّعْـرَ سُلواناً يَجودُ بِـهِ
فلا يُجيبُ بغير الصَّمْتِ يُؤْثرُهُ
والذِّكرياتُ عَذابٌ حين تبرزُ لِي
ذاكَ النَّعيمَ الَّذي عَـيناكِ مصدرُهُ
يا مَنْ وهَـبْتِ لِقـلبي كلَّ بَهجَـتِهِ
على غِـيابِكِ صبري مَنْ يُصَبِّرُهُ
متى أراكِ وجَمْرَ الشَّوقِ يُطْفِئُهُ
منكِ الحَـنانُ على كـَفَّيَّ يَـنْـثُـرهُ
والحُـبُّ يسمعني لَـحْناً أتوقُ لَهُ
من الضُّلوع ونَبضُ القلب مِزهرُهُ
يظَلُّ يُطرِبُني والصُّبحُ مُـؤْتَـلقٌ
والَّليلُ يُصْغي وسِحْرُ الَّلحنِ يُسْكِرُهُ
واستعــيدُ زمانَ الـوَصْلِ ثانِـيَـةً
أبْهَى وأمْـتعَ مِـمّا كنتُ أعْـهـدُهُ
واستَـرِدُّ حَـياتي حِينَ أُبْصِرُها
ويَثْأَرُالقلبُ من شَوقي وأنْصُرُهُ
ويِرقُصُ الشِّعْـرُ مَزهُـوَّاً وتُسْعِدُهُ
لُـقْيا الجَمَالِ وتُبدي السِّحرَأسْطُرهُ
وكيفَ لا ؟ وهْوَمِثْلي عاشِقٌ كَلِفٌ
من كأسِ خَمْرِالهَوى قد فاضَ كَوثَرُهُ .
***
بشير عبد الماجد بشير
السودان
من ديوان ( أشتاتٌ مجتمعات )

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // بستان القرية // بقلم : حسين جبار محمد // العراق

بستان القرية
بستانُ القريةِ أجرد
هربت أشجارُ الحُب
غَضِبت نبتات القلب
غارت كلّ سواقينا
تُهنا في عٌمق المالح من آبار عوادينا
أغنامُ القرية في منفى الجزّار
جزّار القرية أعمى
كلّ مساكننا من صُنع الريح
لا نسمعُ إلا أصوات نواعينا....

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // موت الربيع // بقلم : د . المفرجي الحسيني // العراق

مــــــوت الـــــــربيع
-------------------------------
أطرق باب البيت الكبير باكيا
أتجول بعينيّ على صور الأجداد والآباء
ألحياه متذبذبة كأمواج المحيط
أراقب الشاطئ زبد كثيف ضباب يغطس في الأفق البعيد
سفن بتثاقل تمخر العباب تتقدم نحو مستقبل مجهول
نوبات الحزن تصعد تهبط كقارب يطفو على اليم
أتذكرها ،كان النهر يوماً بحراً تذوب فيه الأنهار
محطات قطار طويلة مع الإنسان
فتيات يغنين بلا كلمات
شوارعنا بلا مسميات المدن مساحاتها فضاءات
فرسان بلا دروع أشباح
أشجار واقفة بلا أغصان يعكسها ظلال القمر
مات الربيع ليلة أمس
وتنصّتُ لصوت اليمام الشاكي
صوت ماء النهر خرير خافت وهمّي يناديني
النظرات تبحر نحو المصب
ضفافنا مهجورة صامتة معشبة بالقصب بدل الازهار
وجوه شاحبة ملفوفة بأحزانهم يحملون نعوشا يسيرون بلا خوفٍ وألم
تطول ظلالهم تنحني مندفعة بخطى ثابتة
خلفهم خيولا أدهميه مسرجة
تدق الصخر بحوافرها يتطاير شرار
سقط شهاب من السماء مات في النار
في نهاية الصيف مات الطير الأبيض وهدهد القفار
أفتح باب كوخي باكياً حياتي متذبذبة كموجة
تأّن باحتضار وسهل مترامي الأطراف
احتدام معركة صهيل الجياد
التماع السيوف يخطف الابصار ،أزيز رماح سقوط الفرسان
دماء جرت قانية نحو النهر اصطبغ ماءه بالاحمرار
مساء هدأ أُوار المعركة نقل القتلى والجرحى
جياد مذبوحة على الأديم سيوف مخضبة بالدماء ورماح
سقطت حُسِبتُ من القتلى نشرت أسماءهم أنا واحداً منهم
أسقطني الوالي من قوائم الجند ،ألفارس مات دفن في ساحة الوغى
لصقوا اسمي على الجدران بطولاتي معاركي
أعيش بلا اسم و عنوان أعلنوا وفاتي نهاية حياتي وتراثي
أقبع في زوايا قريتي أقاموا الحداد على روحي
شربت معهم مُرّ القهوة والتبغ
أتعذب أيها الوالي ردوا عليَّ حياتي
أنكرني الوالي والأهل والأحبة والجيران
عُد من حيث أتيت رششنا الماء على قبرك
يبقى وجهي يعلو ماء النهر حدَّ الطوفان
**********
د.المفرجي الحسيني
موت الربيع
العراق/بغداد
24/11/2018

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // طائر السعادة // بقلم : عباس حسين العبودي // العراق

(((طائر السعادة)))
رحيلي حان والليل طواني
وللظلمة بكل خطوة معاني
بضوء باهت أجتاز دربي
مع الآمال لم أنسى التفاني
ألا ياليل لا تقرب إليَّ
أنا بالبعد أبلغه أواني
نسيت الوقت محسوبا علي َّ
فلا تصبح رديفا للزمان
تراه البعد ضيع لي شعوري
بلا هدي أنا الهم كساني
أنا بالعتمة يزداد ضياعي
سوادك فيه أبلغني هواني
أرى الأحلام بالنور تلوح
شعاع الشمس لم يحجب أتاني
اذا الايام ساعات تعد
لآمالي سأحصيها الثواني
من الآهات أفرغت لصبري
وبالصبر هو الجمر كواني
نشيد العزم يطربني بدربي
كما تطربنا بالليل الأغاني
متى الغايات أدركها سأفرح
أقل طير السعادة قد أتاني..
..عباس حسين العبودي.. العراق..
24/11/2018...

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // يا أُيها الفقير ..!! // بقلم : جواد البصري // العراق

يا أُيها الفقير!!
الأرض والسماء
كفت عن البكاء
تَدعوكَ للغناء
وطيفك المذبوح
بين التلال....
فوق السفوح..
ساكتاً حزين..
يندبه الأنين..
أمامَ الزهور..
بلا حراك....
أشجانه تفوح
من ثغرك المجروح
وصَمتُك المهبول
يممَه الذهول...
بالويل والثبور
ماذا تقول؟؟
يا أيها الفقير
إبقَ مع الله في
سرِك المعقول
تعشقه السماء
حزنك المتبول
ينالُه القبول...
الليل والنهار بنا يدور
ليس هناك من سكون
تحذفنا الرياح
إلى القبور...
مصيرنا معلوم..مماتنا
ليس إلى المجهول
جواد البصري 

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // راحِــــــــلٌ أليكِ // بقلم : عدنان الريكاني // العراق

راحِــــــــلٌ أليكِ
-------------------
عدنان الرِّيكاني/ 2018-11-23
------------------------------
خَزَفيَة الأطْــــــــوَارِ 
تَرتَعِشُ سَوَاعِدُ الأغَاني
حِينَمَا أقْتَفَيتُ آثَار حُلْمي
فَأبْتَلَعَني جُرحٌ نَازِف
وَلمْ يَتَحْسَس أصَابِعي
سِوَى الجَمْر ..
فَيَتَزَاوَجُ شَقَائِقُ النُعْمَان
بِأنْغَامِ سَوْطِ الرَّعْدِ
فَوْقَ خَاصِرَة الرَّبِيْع
الذي أنْهَكْته رِحْلَة السُنونو
في مَدَارِه المُعَاقِ ..
المُزْدَحِم بِطَرَاوَة تَمْتَمَاتِ
حَفْارِ القُبور ..
حِينَ يَقْرَأ كَرّكَه للمَوْتِ
آخِرَ تِلاوَة مُبَاحَة
لِيُدَفِقَ سِحْرُ نَهْرِ الرَّايْن
عَبْرَ شِريَانِ قَلبْي المُضْمَر
بِعشْقِ حَبيْبَتي فينوس
لأنَها نَوَاة الكَوْنِ
والحَبْل السّري للقَصِيدَة
وانَا الجَنينُ المَحْبوس
بَيْنَ الصَدَرِ وَالعَجْزِ
مَخْلوقٌ مِنْ نُطفَة القَافيَة
وضْلعَهَا الكَظْيم ..
تَنْهيدَاتُ شُروخُ الليْل
مَا زَالتْ تُؤرِقُ جُفُونَ أَوْرَاقيَّ
وأديْمُ الحُبْرِ .. بِعنَادِ غَصْة
فَتَكَتْ حَلْقُ عَقَاربُ المَسَاء
أصْرُخُ بِصَوتِ الفَطيْم
كُلَمَا نَزَلتْ قَطَرةُ حَليْبِ
مِنْ ثَدْيّ السَمَاء ..
رُبَمَا تُحَوِلَنْي لِذئْبٍ رَمَاديِّ
فَقَدَ أنْثَاهُ بِالحَربِ ..
مَبْتُورُ الأعْصَابِ بِلا خَليْل
هَجْينُ لا يُدْرِكْهُ الأبْصَارُ
ولا يَعْصِمُهُ عَويْلُ الرَّيَاحِ
مِنْ كَيْدِ أصَبُعِ عَلى الزِنَادِ
**** ***** *****
لا تُقَــــــــــــامِر
تِلكَ الصَالة الفَارِغَة ..
تَصَدَعَتْ ذَاكِرَةُ جَدْرَانَها الأرّبَعَة
وهي تَحْمِلُ ألياف الشَّمْسِ
وأنثايَّ قادمِةٌ مِنْ حِرّقَة النَوْاح
***** ***** *****
بَلَّلَ أنْشُودَتي ..
بِرِيْق أطْرَافِ القَافِلة
مَصْلوبٌ أنَا بِحَافَةَ القَدَرِ
أمْزِجُ هُنَيْهَات الوَقْتِ
بِسَفَرِ الأنتظارِ ..
**** ***** ****
ضَفَائِرُ النُورِ
سَابِحَةٌ بِأنَامِلي فَوْقَ
سِرَاجُ القُبَلٍ ..
وشِفَاهي رَاسيَة بِمَوانِئ
تُفَاحَاتِ خَدَيّكِ المُقْمِرةَ
وعَلى وَقَعِ أقَدامِ الجَنَادِلِ
صَلّتْ مُعَنَاقَاتُ المَآقي
تُهَيَّمُهُ الغَـــــرَامُ ..
يُرْخِي حِبَالُ الشَغَف
كَهَيامٍ بَيْنَ اليَدِ يَسيْلُ
وَقَدْ أسْعفَهُ الطَارِقُ المَجْهُولُ
فَرّقَدٌ يَشُقُ غُبَارَ الصَدَى
دونَ الرَّجَاءِ يَهيمُ ..
---------------------

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // أُطْرُوحَةُ السَّماءِ // بقلم : صاحب الغرابي // العراق

أُطْرُوحَةُ السَّماءِ
صاحب الغرابي...العراق
خِلَال عُصُورٍ قاتِماتٍ
أمَّةٌ تاهَتْ بِهِا السَبُلُ
سَقَطَت فِي هَاوِيَةِ الفَوْضى
فِي فَلاَةٍ مُوحِشَةٍ
دُنْيا تَمُوجُ بالفِتَنِ وَاقعٌ يَعْجُّ بالمَفاسدِ
جَوْرٌ ألهَبَ الظُهُورَ بسِياطهِ
مَضَارِبُ تَنْفَخُ فيها الرِّياحُ اللاّفِحَةُ ،وَيَغْزوها الحَرُّ القَائِظُ
كأنَّ بَحْراً مِنْ الضَوءِ أطَلَّ
أشْرَقَ القَمَرُ بَدراً
مِنْ فَوقِ الرُّبَّى البَعِيدَة
صُوْتٌ أعْمَقُ صَدىّ مِنْ نَشِيدِ الصَباح
أنْشُودَةٌ تَرَنَمّت بِها عَرائِسُ الْفَجرِ
عَيْنَان ِمُشَعْشِعَتان كالْنِجُوم
يَمْلؤهُما طُهْرُ الطُّفُولَة
سَكِينَةٌ تُوحِي بالْهَيْبَة وَالْوقار
هَزَّت عُروشَ أكاسِرَةٍ، وَأباطِرَةٍ طُغْاة
مَنْ أخْمَدَ النِيرَان؟
وَأسْقَطَ الشُرفاتِ فِي طَيْسَفون*
وَغِيضَ ماءُ ساوَه
دَلائِلُ ساطِعَة مِنْ عَوالِمَ زاخِرَةٍ بالنُورِ
مُعْجِزاتٌ وَقَف التأريخُ إزاءَها مَبْهوراً
لايَدْري مايَقُولُ
وإذا بالعَظِيم الحَقّ
لايَخَصَّ طائِفَةً مِنْ بَني الإنْسَانِ
وَلاقَوماً دونَ قَوم
فَهوَ لِكلّ قَومٍ فَوْق كلّ أرض ٍ
يَكادُ سَنا نُورِه يُضِيءُ الخافقين**
يُنْبُوعٌ تَدَّفَقَ مِنْ صَدْرِ الْوجُود
سيِّدُ الْكَوْنَيَّن
سِراجُ لايَخْبو تَوَقِدُه
أُطْرُوحَة ُالسَّماءِ
فَذو الْعَرْش مَحْمُودٌ
وَهَذا مُحَّمد.
......................................................................
*اسم قديم لمدينة عراقية كانت عاصمة للساسانيين والفرثيين المدائن/سلمان باك الحالية تبعد 35كم جنوب شرق بغداد.
**أفق المشرق وأفق المغرب؛ لأن اللَّيل والنَّهار يخفقان فيهما.

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // طين مسجنك // بقلم : باسم جبار // العراق

طين مسجنك
-----------
ياحارمي لذةُ الشوقِ
وهل يصحُ الشوقُ إلا لكْ
وقد أَبيّتَ المبيتَ من كرمٍ
إلا بأحضانِ العروجِ
إنْ دارَتْ بالنهارِدائرةُ الفلكْ
وأخبرتني أَنَّ التَّفكُّهَ
على الموائدِ فانٍ
إلا أطايبَ نَحَلْتَها موائدِكْ
حَوَتْ من خمرِ طوبى
رضوانَ فيضٍ....
ينثالُ بسهامِ الحبِ لكْ
فيها تَطْرَبُ ألأسماعُ نشوى
ترانيمُ أَملاكٍ تتغنى
بأسماءٍ الوصلِ تُمجدُكْ
ياسالباً روحي والروحُ
تشكو طينَ مَسجنكْ
هلا أقرضتني من خزائنِ
الغيبِ مكاشفةً
حتى إنقضاءِ الكدحِ لكْ
---------------
باسم جبار
2018-11-22

الجمعة، 23 نوفمبر 2018

مجلة انكمدو العربي للثقافة والأدب // سيمياء تمظهرية الغربة الوجودية في الشكل النصي // دراسة تحليلية لنص ( جِئْتُ دُوْنِي ) للشاعر : عصام رامز / بقلم : باسم الفضلي العراقي // العراق

{ سيمياء تمظهرية الغربة الوجودية في الشكل النصي }
دراسة تحليلية عن نص (
جِئْتُ دُوْنِي)- للشاعر اللبناني
عصام رامز سلمان
النص
***

قَدْ
عُدْتُ
بِغَيْرِ إِيابٍ،
وِسْعَ غِيابِيَ
جِئْتُ،
وَصَلْتُ
بِدُوْنِيَ لَكِنْ
قَلْباً مَحْضاً
كُنْتُ.
*****
هُوَ
وَقْتــِـي
مَنْفايَ الأَقْصَى،
هُوَ وَقــْتـِـي
يَحْجُبُنِي
عَنِّي...
يَمْحُو
إِصْغائِيَ،
يُسْكِتُ لَوْنِيَ،
يُطْفِئُنِي،
وَأَنا
أَتَغَرَّبُ
فِيَّ بِلا حَدٍّ،
أَتَكاثَرُ دُوْنَ
لِقاءْ،
أَتَمَشْهَدُ
وَهْمَ مَرايا، آهِ،
أَقوْدُ حُضُوْرِيَ
خارِجَنِي،
وَأَفِيْضُ
بَعِيْداً عَنْ
مَعْنايَ.
أَفِيْضُ
وَقَلْبِيَ أَكْوانٌ
أُخْرَى،
أَبــْعَدُ
مِنْ أَحْلامِ
الرِّيـْحِ،
وَأَرْحَبُ
مِنْ ســـِــرِّ
الأَزْمانْ.
*****
مَنْ
يَرْصُدُنِي
فِي نَهْدَةِ شَمْسٍ،
ضَوْعَةِ بَرْقٍ
مَنْ.
مَنْ
يَكْتُبُنِي
بِحُرُوْفِ المَحْوِ
عَلَى جَسَدِ
الأَوْقاتْ.
مَنْ
يَسْمَعُ صَمْتِيَ
مَســْـقوْفاً بالضَّوْءِ
وَيُبْصِرُنِي مِنْ
غَيْرِ لُغاتْ.
لا...
لا تَكْفِيْنِي
أَزْمِنَتِي لأَعُوْدَ
إِلَيْ.
تَكْفِيْنِي
فِكْرَةُ شَوْقٍ،
نَبْضَةُ صِدْقٍ،
وَجْهٌ يَتَوَهَّجُ فِيْهِ
القَلْبْ.
......
الدراسة
****
موضوعة الغربة الوجودية ، ( بحث الذات الداخلية الخاصة عن ماهية وجودها ومعناها خارج ضوابط وقياسات
واقعها القِيَمية الماقبلية القهرية )، تكاد تكون العلامة الفارقة في الشعر الحداثوي ومابعده ، ورغم كثرة تداولها
من قبل معظم الشعراء كثيمة لنصوصهم ، الا انها تظل مصدر الهامهم المتجدد ، للثراء الفني والمعنوي لدلالاتها
المتولدة من عديد تقابلات تلك الذات مع الذات الخارجية الاجتماعية / مكافئوها الدلالي الآخر الموضوعي ،التي
تأخذ عدة مسميات ، كتقابل الذاتي / الموضوعي ، الحسي المجرد / الملموس الواقعي ، اللاوعي / الوعي ، الذات
اللامنتمية / المنتمية ..الزائف / الحقيقي ... وغيرها ، ولعل الشعراء ،لاسيما الحداثويين ،بنزعتهم التواقة للانعتاق من قيود الايديولوجيات
الاخروية ( بشتى انواعها ) ، والمؤسسات السلطوية ،المهيمنة على الوعي الجمعي ، هم اكثر من يعيش هذه الغربة،
المصدِّعة لسلامهم الداخلي ، بما تثيره فيهم من اغترابية مكزمانية وايديولوجية فكرية ، تبعث في اعماقهم مشاعر القلق والتوتر ، واللاتآلفية مع واقعهم الجمعي ، فيعلنوا
تمردهم على قهرية ذلك الواقع ، ويجاهروا بثورتهم على سطوته المانعة لعناقهم ذاتهم تلك ، فيرفعون لواء تغربهم
في ملكوت عوالم ماورائية ، مطلقة الوجود ، عارية من المسميات ، ، فلاعجباَ ان تشكل هذه الغربة ،هماً شعرياً
متجدد الحضور في نصوصهم الابداعية ، برؤى ومعالجات فنية متعددة .
ونص ( جئتُ دوني ) ، موضوع دراستي ، وهو من جملة تلك النصوص ، يثير اشكالية الغربة من خلال مظهرتها في
البناء الهكيلي لشكله وبنية لغة سطحه الفنية ، وكما ستبينه دراستي هذه ، التي سأبدأها بتفكيك عتبته العنوانية :
( جئتُ دوني ) :
تفكيك سيميائية اشارتي العنوان :
البنى الدلالية ، النحوية ، والتركيبية :
*الاشارة المركبة ( جئتُ )
ـ دلالياً : (جاء ) اشارة لدال فعلي مكاني ، معنى مدلوله اللغوي ( حضر) مشروط ضمنياً بانتهاء اثر حدث / فعل
( ماقبل ـ مكاني ) مقابل له هو : ذهب ، ترك ، غادر .
فلولا انتهاء اثر الذهاب الذي سبقه زمانياً ، لفقد المجئ دلالته المعنوية وكما يلي :
الذهاب / مغادرة مكان ما .. / يسبق ويسبب ويقابل/ .. المجئ / حضور .
وهما اشارتان مكانيتان لهما دلالة الانطلاق ( فعل حركي انتقالي ) من نقطة ابتداء ، الى نقطة انتهاء محددتين ،
غير انهما متعارضتا الاتجاه : ذهب الى ... من / جاء من ... الى .
اذاً : الاشارة ( جاء ) تبدأ حيث تنتهي الاشارة ( ذهب ) مكانياً .
ـ نحوياً :
جئت : فعل ماضٍ متصل بتاء الفاعل / الشاعر،دلالته المكانية مقطوعة ، لعدم تعديته لا بذاته نحو :
جئتُ المكانَ ) ، ولا بحرف جر مثل ( جئتُ من أو الى المكان )، فغدا ( المجئ) هنا لامكانياً ، ولكون مدلوله المعنوي مشروطاً
ضمنيا بحدوث الفعل الماقبلي / ذهب ، لذا تسري اللامكانية على هذا الفعل كذلك ، واللامكانية تعني الحسية
اي ان الفضاء الظرفي الذي حصل فيه الحضور / الذهاب ، هو لاوعي الشاعر ،
* الاشارة العنوانية الثانية ( دوني ) :
ـ دلاليا : الاشارة ( دُون ) اسمية ، متعددة الدلالات ( فهي اسم ، ظرفية مكانية ،اسم فعل امر) ،انتفت دلالتها الظرفية
كما مر بنا اعلاه ، اما دلالتها ( الإسم فعلية ) فممتنعة سياقياً ، فلا يصح ان ( يأمر) احدٌ نفسه ، لذا تبقت دلالاتها
الاسمية التي يجوز فيها ان تُسبق بحرف الجر ( من ) / من دون ، او اهماله ، وفي الحالتين يكون معناها : من غير،
او مايقاربها دلالةً ، نقول مثلاً : لبّى فلانٌ الدعوةَ دونَهم / اي : لبّاها وحدَه من غيرهم / او من غير ان يلبّوها هم . .
ـ نحوياً  دون ) مضافة الى ياء المتكلم ، مما جعلها مخصصة المعنى بصاحب تلك الياء ( الشاعر ).
مقاربات دلالتي الاشارتين اعلاه معنويا :
ـ مقاربة معنوية : جئتُ دوني = حضرتُ من غيري
ـ مقاربة باستدعاء مصدر الفعل ( حضر ) المؤول : حضرت من غير ان حضر
ـ مقاربة بتحويل الضميرين المتصلين الى منفصلين / حضر انا من غير انا
ولما كان تقابل الفعلين تقابلاً مكانياً ، فهو اذا إلغائي ، اي ان رُكنَيه (حضر / ذهب ) يلغي احدهما الاخر مكانياً وفق
منطقيات الواقع المادي ،
* البنية التركيبية للعبارة العنوانية : لارابط دلالي بين اشارتيها ، فـ (جئتُ) فعل انتقالي ، ينفذه من يقررُ الشروعَ به
( الفاعل وهو هنا تاء المتكلم ) ، فهو واعٍ ، فلا يقرر امراً ما، وينفذه الّا من امتلك وعياً ، غير ان الاشارة المقابلة
( دوني ) ألغتْ هذا الوعي ، كما مر بنا آنفا ، مما يعني انقطاع الصلة الدلالية بين مُركّبَي العبارة العنوانية ، مما
افقدها معناها الظاهري، اي انها ( جملة غير مفيدة كما يذهب علماء اللغة )
ويعزز هذا الرأي سؤالان يثيرهما ما سكت عنه العنوان من مقاصد ، هما :
ما هي الغاية من ذلك الذهاب ؟؟ وهل بلغها الشاعر لكي يقرر المجئ ؟
لكننا حين نعيد تركيب ماانتجه التفكيك من دلالات تتولد لنا معان جانبية تتجمع لتشكل معنى العنوان التحتاني :
ان العنوان هو ( شيفرة ) ذات بنية دلالية توتُّرية تقابلية ( الحضور / الغياب ) ، تبعث رسالةً مفادها : ان من ذهب وجاء ، ماهو الا اثرٌ واعٍ ، حسي عابر لحدود المكزمان الفيزيقي ، يمكن مقاربته دلالياً بأنه ( ذات ) الشاعر الواعية ، بدأ ذهابها من الذات الخارجية ( اي المفروضة على الشاعر من قبل الواقع ) ، وانتهى بالذات الوجودية الداخلية ، ومنها ( جاءت ) ، ومجيئها كان الى نفس المكان الذي ذهبت منه، بدلالة انقطاع فعل عبارة العنوان ( جئتُ ) عن التَّعْدية كما اسلفت ، غير ان هذه الذات تشظت ، فتركت وراءها بعضها ( الذات الوجودية الباحثة عن معناها ) في ذلك العالم الميتافيزيقي ، وجاءت ببعضها ( الذات الواعية ) ، لذا فإن العنوان هنا لايمثل مفتاحا ، كما هو متعارف عليه تحليليا وقرائياً ، بل هو يمثل ( النص الحقيقي ) بشيفرةٍ مكثفة الدلالة ، والمتن هو العنوان الذي علينا تفكيكه كي نعرف ماذا تحقق من رحلة تلك الذات الواعية للبحث عن الذات الوجودية ؟
تحليل المتن :
غربة الذات الوجودية،تبدأ بالسؤال الكبير :من أنا ؟ يطلقه من وعى ان منطق ،ايديولوجيا آخروية شمولية / مؤسساتية
، متمظهرة في واقعه المكاني الجمعي ، بجملة ضوابط ( اعراف ، تقاليد وقيم اخلاقية وحتى عقلانية ) موروثة قاهرة
،يعارض ويصادر معناه الوجودي الفردي و تتحكم بكيانه الانساني وفق ارادة / ارادات ، متسلطة / قامعة (بهذا المعنى
او ذاك ) ترسم له وتحدد له حتى احلامه ، رغباته ،غاياته وتطلعاته الانسانية، وفق قياساتها القدسية للمسموح / ممنوع .
ذلك (السؤال ) اذاً يمثل ( موقف ) ذات وجودية امتلكت رؤيا ( لارؤية فهذه وقفٌ على الذات الواقعية الخارجية)
اتاحت لها ( اكتشاف ) حقيقة ان كنهَ معناها لايمكنها التعرف عليه هذا العالم الواقعي المحسوس المغلق ( الفيزيقي )
بل في عالم ميتافيزيقي ، لاتحده حدود ، عارٍ من كل مسمى ، او اثر للمعاني الزائفة ، عالم لانهائي الدهشة
الدهشة ، يلتقي فيه المعقول باللامعقول ، المحسوس باللامحسوس ، المألوف باللامالوف ، في هذا العالم فقط
تستطيع التعرف على ماهيتها بذاتها.
وهذا الموقف تتخذه الذات الواعية بعدما تمر بثلاث مراحل مؤسَّس بعضها على بعض تصاعدياً ، تمثل المكافئ الموضوعي لموضوعة الغربة هي :
الاولى ـ شعور تلك الذات بالتعارض بينها و بين الواقع الخارجي وسائر مؤسساته الايديولوجية السلطوية وهذا يعني انها امتلكت رؤيا نافذة ، تفتح لها سبل الاتعتاق من قهرية ذلك الواقع .
الثانية ـ توترها القلقي الناجم عن التعارض اعلاه ، وما يؤدي اليه من حالة صراع داخلي (شعوري انتمائي / لاشعوري لاانتمائي ) للواقع ، وهنا يتولد الشعور بالغربة ، والسعي للكشف عن معناها الوجودي ، خارج هذا العالم المقنع بالخديعة .
الثالثة ـ بعد عناقها الذات الوجودية ( اللاواقعية ) ، والتعرف على ماهيتها ، تحملها تصدعاتها في منفاها على العودة الى ذات منطلقها الواقعي ( محاولة رأب تصدعاتها تلك ، وهو نزوع مستحكم في النفس البشرية في الوصول الى سلامها الداخلي ) لتظل الذات الوجودية في عالمها اللاواقعي ،
وهيكلية بناء شكل المتن تظهر انه مركب من ثلاثة مقاطع بما يشاكل المراحل اعلاه ... لكن اعادة قراءة هذه المقاطع
قراءة فنية، تظهر ان الشاعر بذكائه ، وبما امتلكه من ادوات دلالية تعبيرية ، وتمكُّنٍ مقارباتي معنوي ، لجأ الى كسر بنائية الشكل التصاعدية الاصولية ( مقطع 1 ثم 2 ثم 3 ) فوضع ثالث المقاطع
في البداية ، وختم النص بالمقطع الاول ، كما سأوضح هذا ادناه ، وهو بهذا قصد
المقاربة الشكلية مع تعارض ذاته الوجودية مع نسقية النظام المؤسساتي المؤدلج ومنها المؤسسة الثقافية
( كما اشرت لهذا في المرحلة الاولى اعلاه ) فالشكل النصي الاصولي ، ذو مرجعية آيديولوجية ادبية ماقبلية ، والخروج
عنه / كسر نظامه ، يمثل اشارةً ايحائية لتمرد الذات الوجودية على اصولية الواقع / كسرها اياه .
فالقراءة التحليلية لمقطع النص الثالث ، تظهر انه ينبغي ان يكون الاول فنياً ومعنوياً ، وكما يلي :
المقطع :
(( مَنْ
يَرْصُدُنِي
فِي نَهْدَةِ شَمْسٍ،
ضَوْعَةِ بَرْقٍ
مَنْ.
مَنْ
يَكْتُبُنِي
بِحُرُوْفِ المَحْوِ
عَلَى جَسَدِ
الأَوْقاتْ.
مَنْ
يَسْمَعُ صَمْتِيَ
مَســْـقوْفاً بالضَّوْءِ
وَيُبْصِرُنِي مِنْ
غَيْرِ لُغاتْ.
لا...
لا تَكْفِيْنِي
أَزْمِنَتِي لأَعُوْدَ
إِلَيْ.
تَكْفِيْنِي
فِكْرَةُ شَوْقٍ،
نَبْضَةُ صِدْقٍ،
وَجْهٌ يَتَوَهَّجُ فِيْهِ
القَلْبْ.))
وفق سيرورة الحدث التصاعدية ، يجب ان يكون الاول ،كونه يماثل اولى مراحل الغربة المذكورة في اعلاه ، كما يؤكده هذان المؤشران :
ـ الاشارة / مََن ، المؤكدة بالتكرار ، اسمية استفهامية ( على الرغم من انه استفهام غير حقيقي يفيد النفي ) في :
( من يرصد . ؟ / من يكتبني ؟ / من يسمع صوتي ؟ )
هي عينها الواردة في السؤال الغربوي اعلاه : من انا ؟ ، كلتاهما موجهتان خطابياً لآخر عاقل .
2 ـ البنية الدلالية اللاواقعية لاشارات المقطع ، والتركيبية اللامنطقية لصوره ، تقابل بنيتهما في سياقهما الواقعي المنطقي .وكما في :
( فِي نَهْدَةِ شَمْسٍ )
هنا يؤنسن الشمس ويجعلها تتأوه وتزفر الما / صورة لاواقعية مقابلة للواقعية حيث الشمس محض جرم صخري ميت يحترق
(ضَوْعَةِ بَرْقٍ )
الصورة اعتمدت في دلالتها الرمزية ( تراسل الحواس ) ، فركناها متباعدا الاشارة ، ليسا من جنس دلالي واحد ، الاول ( ضوع ) يشير الى محسوس شمّي حي ( رائحة فواحة ) ، والثاني ( برق ) يشير الى محسوس مرئي فاقد للحياة ( وميض ضوئي ) / صورة لامنطقية ان يعبق البرق / مقابلة لمنطقية صورالواقع ( خصوصية الاستجابة الحسية ولاحلوليتها / فالعين لاتشم والانف لايرى )
والبنية الصرفية للاشارتين ( نهدة ، ضوعة ) / مصدرا مرَّة ، تؤكد عجز الاخر الواقعي الذي يقوم بالرصد (يرصدني) ، عن ملاحظة ( معنى يرصد ) تقاطع تلك الذات مع واقعها مرة واحدةً ... وهو ماعززت دلالته البنية النحوية كما اسلفت (الاستفهام غير حقيقي يفيد النفي ) ، و مقاربة دلالة غربة الذات ستكون متولدة عما سبق من دلالات كما يلي :
لا يلاحظ الاخر الواقعي لاواقعية الذات الوجودية مرةً واحدة = تقابلهما = غربة تلك الذات
( مَنْ
يَكْتُبُنِي
بِحُرُوْفِ المَحْوِ
عَلَى جَسَدِ
الأَوْقاتْ.)
انزياحات معنوية ترسم صورة مافوق عقلانية تبعث على الدهشة لا يقوى الاخر الواقعي على كتابتها اي عجزه عن خلقها حيةً / الكتابة عملية خلق للمكتوب تجعله ناطقاً ( له صوت ) ، مرئياً ( له صورة ) ،عاقلاً ( له دلالة معنوية) وله عمر ( هو زمن فعل الكتابة )
الصورة هذه تقابل نظيرتها في الواقع الكتابة بحروف ظاهرة تخط على القرطاس
كذلك نلمس التقابل في :
( يَسْمَعُ صَمْتِيَ)
( يبصرني
من غير لغات )
حيث ( قلَبَ / هدَمَ ) منطق العلاقة التلازمية بين ركني السببية : الصوت سبب للسماع والصور سبب للابصار
بعد ان عرف الشاعر تقاطعية ذاته مع واقعه ، مؤكدا ذلك بتكرار ( لا ) النافية لكل صلة بينهما ، واقراره بغربته الوجودية العابرة للزمن المعاش
(( لا...
لا تَكْفِيْنِي
أَزْمِنَتِي لأَعُوْدَ
إِلَيْ.))
لاح له وجه ذاته فإذاها لاتطلب الكثير :
( تَكْفِيْنِي
فِكْرَةُ شَوْقٍ،
نَبْضَةُ صِدْقٍ،
وَجْهٌ يَتَوَهَّجُ فِيْهِ
القَلْبْ.))
ولنتوقف قليلاً بالتفكيك العجول عند ما تطلبه ذاته الوجودية :
ـ تَكْفِيْنِي : كفاية ذاته من الوجود في ( فكرة ، نبضة ،) مخصصتين بالاضافة الى شوق ، صدق و في ( وجه ) موصوف بـ ( يتوهج )
ـ فِكْرَةُ شَوْق : ذاته تطمح للتفكير بالاشتاق لكن .. الشوق هنا مقطوع عما يصفه او يحدد المقصود به شوق الى من او ما ؟ ولأنه مقابل للشوق المستنفذ المقاصد واقعيا ، فهو حتما شوق لمعنى او وجود خارج مدار المألوف او المقرر مؤسساتياً كذلك (نَبْضَةُ صِدْقٍ) ، فالصدق هنا بنفس التجردية من المألوف
ـ وَجْهٌ يَتَوَهَّجُ فِيْهِ
القَلْبْ. : هو وجه تشع فيه المحبة بلا قسمات
المسكوت عنه : الشاعر يؤكد وعيه التام بما ينشد ( ذاتاُ غير منتمية لهذا العالم العتيق الحدود والمعاني ) ، وعليه البدء برحلته بحثا عنها في عالم مطلق البراءة يتحقق فيه معناها ، اذاً المقطع يمثل مرحلة الاعداد لهذه الرحلة ، وتفكيك البنية الزمنية لجميع اشارته الفعلية ( بدءاً من/ يرصدني ... وانتهاءً بـ / يتوهج ) ، يظهر ان زمنها الحدثي هوالزمن الحالي / الآني ( المضارع ) المفتوح على المستقبل ، مما يوافق الزمن الرؤيوي لتلك الذات ، فالذات بعد ان تعي غربتَها ، تقوم بفعل ( الرؤيا ) المنطلق من لحظة الوعي ، امتداداً للمستقبل .
لذا فان هذا المقطع هو ما يمثل المرحلة الاولى من رحلة البحث عن الذات الوجودية ، وحقة ان يكون مقطع النص الاول .
يدعم هذه الأحقية ، تفكيك واعادة تركيب دلالات المقطع التالي :
( قَدْ
عُدْتُ
بِغَيْرِ إِيابٍ،
وِسْعَ غِيابِيَ
جِئْتُ،
وَصَلْتُ
بِدُوْنِيَ لَكِنْ
قَلْباً مَحْضاً
كُنْتُ.)
حيث يتولد لدينا من الاشارات و المقاربات المعنوية ، ما يدلل على أنه هو المقطع الاخير ( الثالث ) الحقيقي ، في جسد النص ، الذي اظهره في الصدارة ( مقطعاً اولاً ) . و هذا ما سيبينه هذا الاشتغال التفكيكي :
ـ البنية الدلالية ، النحوية للاشارات الفعلية الواردة في المقطع :
* (عدت ، جئت ، وصلت ) دلالياً :
تلك الاشارات دوال فعلية ، تلتقي مدلولياً ، في معنى مشترك هو / الحضور، المتضمن معنى مقابله / الذهاب ، وهذه الاشارات مقطوعة مكانياً ، مما جعلها حسية ، ظرفها الحدَثي هو اللاوعي ( يُنظر دراسة وتفكيك
العنوان / الاشارة جئت ) .
* نحوياً :
هي اشارات لأحداث ماضوية الوقوع مما يدل على انها مؤكدة الحدوث ( الفعل الماضي مؤكد بذاته ) ، وهي قد اتصلت بذات الضمير ( تاء المتكلم ) لتشير لذات الفاعل / الشاعر الغريب ، وتكرار هذا الضمير، هو توكيد له ايضا ، والحرف ( قد ) افاد التوكيد بدور كونه دخل على ماضٍ ( حرف تحقيق) .كما ان تكرار تلك الاشارات رغم اتفاقها معنوياً بما يجعلها شبيهة بالمترادفات ،افاد ( التوكيد بالتكرار) .
ان توالي حالات التوكيد اشارة الى اثبات حضور / عودة ، الذات الواعية من رحلتها الاستكشافية المافوقية المار ذكرها سابقا ( رحلة البحث عن الذات الوجودية ) ، رغم انه حضور منقوص :
( عُدْتُ
بِغَيْرِ إِيابٍ،
وِسْعَ غِيابِيَ
جِئْتُ،
وَصَلْتُ
بِدُوْنِيَ )
فالاشارات ( بغير اياب ) ، ( وسع غيابي ) ، ( بدوني ) ، دلت على انشطار الذات الواعية الى ( ذات واقعية ) وهي التي حضرت ، و(ذات لاواقعية وجودية ) تخلفت ، وهاتان الذاتان متناظرتان
وهو حضور لابد انه أُنجز بعد تحقُّقِ كل او بعض الغاية التي كانت الباعث على ( الذهاب ) ، وهذا ما يقرره ويعلنه ماجاء في نهاية المقطع :
( قَلْباً مَحْضاً
كُنْتُ.)
فالشاعر ( اكتشف ) بعضاً من معناه الوجودي ، هو انه رمز محبة مطلقة غير مشروطة ( قلباً محضاً )، وهذا الاكتشاف كان السبب لكينونته ( كنتُ ) ، وفق التفكيك التالي للبنية الدلالية للاشارات السابقة :
*القلب / بالإحالة الخارجية / الموروث الشعبي : مصدرالمشاعر والعواطف واولها المحبة
*المحض / لغةً : النقي الخالص من الشوائب ، ولان ( محضاً ) صفة لموصوف حسي ( قلباً ) وفق دلالته السابقة ، فالشوائب هنا حسية بالتبعية ، فتعني كل مقابل للمحبة والمشاعر الصادقة كالنفعية مثلا ،
الدلالة السياقية للاشارتين : محبة خالصة بلا مقابل
* كنت : كان / لغة : فعل التكوّن ،ومنه الكائن . الكيان ، الكينونة ، وهو مشعر بضديده / غير كائن / عدم ، فهواذاً فعل انتقالي مشروط بوجود فاعل مكوِّن ، كما في المخطط :
لاكينونة ( عدم / لاوجود ) ــــــــــــــــــــ مكوِّن ــــــــــــــــــــــ كينونة ( وجود )
وباستدعاء حسية الصفة والموصوف اعلاه :
لاكينونة حسية ( عدمية معنوية ) ـــــــــــــــــــ مكون حسي ــــــــــــــــــ كينونة حسية ( وجود معنوي )
وباعادة تركيب الدلالات اعلاه :
ذات واقعية فاقدة لمعناها ـــــــــــــ محبة خالصة بلا مقابل ـــــــــــــ ذات لها معنى وجودي
يتبن لنا ان دلالات المقطع اعلاه ، متقاربة تماما مع اشارات المرحلة الغربوية الثالثة ، مما يضيف تأكيداً اخرعلى ان هذا المقطع هو الثالث نصياً.
واذا ماعدنا للمقطع الثاني في النص ، وجدناه في موضعه النصي الحقيقي ، فهو يقارب المرحلة الغربوية الثانية في السياق المعنوي للشكل النصي ، فهو متمفصل ( نتيجة / سبب ) ، مع المقطع الاول الحقيقي ( الذي ابنّاه اعلاه ) ، وكذلك متمفصل مع الثالث الحقيقي ( سبب / نتيجة ) ، وكما يتضح مما يلي :
يبدأ المقطع باعتراف صريح بالنفي مؤكد ( بالتكرار ) :
( هُوَ
وَقْتــِـي
مَنْفايَ الأَقْصَى
هو وقتي )
ودلالة الوقت بالاحالة الخارجية / الفيزياء : المسافة الزمنية الفاصلة بين الأحداث يتمكن بواسطته وعي الإنسان التمييز ما بين الأحداث ( وقائع مادية ) التي يعيشها، بحيث يستطيع التفرقة ما بين الأحداث اللحظية ، والتي تتحول إلى ماضٍ، وبين التنبؤ باللحظات المستقبلية،
اي ان دلالته مشروطة بمكان تجري فيه تلك الاحداث وهي ما يستمد منها حضوره ومعناه ، فتكون مقاربة (وقتي منفاي ) المعنوية :
منفى مكاني متمرحل وقتياً = الواقع الآني المعاش
اذاً فهذا الاعتراف بالنفي ، وهو من مرادفات الغربة الدلالية ، يمثل ( نتيجة ) لسبب مثلته المرحلة الاولى ( التعارض مع قهرية الواقع ) ، تعارض افضى الى توتر مقلق داخليا رسمته هذه الصور الحركية الغرائبية الكاسرة للمألوف والمعقول ( تعبيراً عن كسر النظام والمنطق الواقعي كما اسلفت سابقا ) ، ذات البنية السينمائية ( تتابع حالي الزمن / مضارع ، متوالٍ بلا فواصل ، مكثف الاشارات ، حاد الانزياحات ) للايحاء بتوالي وقع التوترالمذكور واستمراريته :
( يَحْجُبُنِي
عَنِّي...
يَمْحُو
إِصْغائِيَ،
يُسْكِتُ لَوْنِيَ،
يُطْفِئُنِي )
والتوتر يبدو في التقابلات الصراعية بين كل فعل من الافعال اعلاه في الواقع والمسكوت عنها في اللاواقع كما في :
يحجبني / يُظهرني ، يمحو / يكتب ، يُسكت / يُنطق ، يطفئني / يوقدني
وهذه الصراعية كانت نقطة التحول الى الشعور بغربة مكزمانها ذاته الداخلية :
( وَأَنا
أَتَغَرَّبُ
فِيَّ بِلا حَدٍّ )
غربة تتناسل بذاتها ( صورة غرائبية ) :
( أَتَكاثَرُ دُوْنَ
لِقاءْ )
وهو لايلوح موجوداً الا في عيون الآخر :
( أَتَمَشْهَدُ
وَهْمَ مَرايا، آهِ )
وتتوالى الصور اللامنطقية التركيب ليعبر عن اشكال غربته الذاتية :
(أَقوْدُ حُضُوْرِيَ
خارِجَنِي،
وَأَفِيْضُ
بَعِيْداً عَنْ
مَعْنايَ ).
الفيض ( احالية خارجية / الفلسفة ) : صدور الموجودات او المحسوسات عن موجودات او محسوسات اخرى كفيض الضوء او الحرارة من الشمس
فهو يفيض معنى ذاته الداخلية ، في عالم اخر بعيد عن معناه في الواقع ، معنى متحرر من حدود الواقع وما تتصوره الاذهان المحكومة بمنطق الاشياء :
(أَفِيْضُ
وَقَلْبِيَ أَكْوانٌ
أُخْرَى،
أَبــْعَدُ
مِنْ أَحْلامِ
الرِّيـْحِ،
وَأَرْحَبُ
مِنْ ســـِــرِّ
الأَزْمانْ.)
وهذا الفيض يمثل الشق الثاني من المرحلة الغربوية الثانية (السعي للكشف عن معناها الوجودي، خارج هذا العالم المقنع بالخديعة ) يتمفصل كسبب مع المقطع الحقيقي الثالث الذي يُعدُّ نتيجةً له ( عناق الذات الوجودية ( اللاواقعية ) ، والتعرف على ماهيتها )
وبهذا نجح الشاعر ايما نجاح ، في مظهرته الغربة في شكل نصه ، في بنائه الهيكلي وبنيته اللغوية الفنية وهذا ما اظنه سابقة تحسب له في هكذا معالجة شكلية
ــ باسم عبد الكريم الفضلي / العراق ــ
13 /5 / 2018