السبت، 6 مايو 2017

قوة التأثير ؛ قراءة في قصيدة الشاعرة : ريتا الحكيم // حفل توقيع // بقلم الناقد أوس غريب // سوريا

"قوة التأثير" قراءة في قصيدة الشاعرة Rita Alhakim" حفل توقيع "
أولاً : نصُّ القصيدة :
حَفْلُ تَوْقيعٍ
لنْ أُقْنِعَ نَفْسي يَوْماً ما 
بأنّ كلّ الكُتُبِ تَحْمِلُ توْقيعَكَ
وأنّ الأبجَدِيّةَ الأولى في التّاريخِ
أنْتَ مَنِ اخْتَرَعَها 
قل لي:
كيف لباطِنِ كَفّي أنْ يَلْمسَ ما لمْ تَرَهُ عَيْنايَ
وكيفَ لتَعَرّجاتِ التّرابِ أنْ تسْتقيمَ
تَحْتَ وَطْأةِ الخُزَغْبَلاتِ 
أُحاوِلُ أنْ أنتَزِعَني مِنْ بَراثِنِ وَهْمٍ
تلوكُهُ بَدَلَ السّواكِ
لكنّ أظافِرَ الحَرْبِ تَنْغَرِزُ في مُقْلَةِ غَضَبي
فَيَصْمُتُ مُكابِراً
تَحْتَ تأثيرِ مُداهَماتِ الأفْرُعِ الأمْنِيّةِ إثْرَ خِطابٍ
لمُعْتَنِقي دَجَلِ السّياسَةِ
اليوْمَ نصَبْتُ مَرارَةَ يُتْمي رايَةً خَفّاقَةً
وعَنْوَنْتُ رِوايَتي (ما لنا غيرك يا الله)
أنْتَظِرُ أنْ يَقْرَأها الله بِصَوْتٍ عالٍ
وأنْ يُشارِكَ في حَفْلِ تَوْقيعِها كَراعٍ لِمَأساتِنا
#ريتا_الحكيم
ثانياً : القراءة النقدية :
في العنوان " حفل توقيع " إحالة إلى لون من علاقة الفرد بالمجتمع شديد الاهمية والخصوصية 
هو التمثيل ، حيث تترك الجماعة شأنها بيد فرد من افرادها 
تعتمده في التعبير عنها وإنجاز همها كما في توقيع الاتفاقيات والمعاهدات
او تتوكل عليه في تحديد مؤشرات الحركة والعبور 
بتشخيص الادواء وبيان الآفاق كما في توقيع الكتب
تعلن الشاعرة بهذا العنوان عن رسالتها فتحفز الاسماع لتصغي والالباب لتعي : تقول : لقد رايت وعرفت وابصرت ولدي لمن يتلقى سبيلا للخروج وبشرى بالنجاة إنها تعلن عن كتابها عن روايتها وتدعوالناس ان يحضروا لتروي لهم ولتهديهم وتوقع لهم فهل يأتون ؟؟
تقول الشاعرة :

لنْ أُقْنِعَ نَفْسي يَوْماً ما 
بأنّ كلّ الكُتُبِ تَحْمِلُ توْقيعَكَ
وأنّ الأبجَدِيّةَ الأولى في التّاريخِ
أنْتَ مَنِ اخْتَرَعَها
لنتأمل في السطر الاول كيف احتشدت فيه الدلالات وانطوت الإشارات 
فالأداة لن النافية والأداة ما الإبهامية يرتقيان بالنفي والتنكير إلى حد الإنكار وتمام الرفض 
القناعة منفية الى حد التأبيد 
وتأتي كلمة كل التي تفيض بدلالة العموم لتؤكد أن استثناء واحداً غير ممكن 
انَّ اولى الابجديات لا يمكن ابداً ولا بأي حال ان تكون من صنعك .
لماذا هذا النفي والانكار كله ولماذا هذا التأكيد كله ؟؟؟
و من هو المخاطب الذي تسلبه الشاعرة وبإصرارٍ ما بعده إصرار براءة اختراعه ؟؟
ولماذا تقوم بهذا السلب أصلا ؟
لنر 
المخاطب هو السوري ، ولكن لماذا تسلبه الشاعرة إرث الاختراع ؟؟
تريد الشاعرة أن تفكك قوة التأثير ، أن تفسح لها لتتزحزح من وجودها وتعينها القديم باتجاه وجود وتعينٍ جديد وهو أمرٌ غير ممكن دون تحليل السوري إلى نمطين متمايزين 
- الأوغاريتي مالك الأبجدية ومخترعها حقاً وصدقاً 
موقّع كل الكتب
صاحب الفعل الحضاري بين حضارات كريت وقبرص وبلاد الرافدين وعيلام ومصر 
الذي امتلك نفسه وعالمه رمزيا وواقعيا 
و السوري العربي المعاصر 
مسلوب الثروات ومستلب الروح
الذي تعبث به لصوص العالم
والذي يعرض في باتيرنة التاريخ كأضحوكة ومسخرة 
لا عهد للبشرية باشباهها من قبل
الشاعرة إذن تفرق بين سوري العظمة وسوري الحقارة 
وقد بينت سبب العظمة حين ذكرت امتلاك الكتب جميعا وإختراع الابجدية وكيف ان الأوغاريتي امتلك بهما السيادة الكاملة و المجد التام أي إن الأوغاريتي لم تقمع وسائله في التعبير والكشف والخلق فتمجد وشع على محيطه 
في الوقت الذي سلب السوري الراهن هذا الحق وهذه الطاقة 
فانطمس وهوى بخسارة رافعته وفقدان شعلته 
ولمزيد من البيان تقول الشاعرة :
كيف لباطِنِ كَفّي أنْ يَلْمسَ ما لمْ تَرَهُ عَيْنايَ
وكيفَ لتَعَرّجاتِ التّرابِ أنْ تسْتقيمَ
تَحْتَ وَطْأةِ الخُزَغْبَلات
إذن فسوري اليوم لا يطابق سوري الأمس كما ان التعرجات والاعوجاج يأبيان الاستقامة ، والظلمة والحلكة يفقدان الاشعاع ، وكما ان مالا وجود له لن تراه العين
ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون
الخزعبلات والاضاليل والكذب والبهتان والتزوير هي ابجدية سوري اليوم فكيف يكون صاحب كتب وابجدية وحقيقة
وكيف يسود نفسه حتى يسود غيره
تقول الشاعرة :
أُحاوِلُ أنْ أنتَزِعَني مِنْ بَراثِنِ وَهْمٍ
تلوكُهُ بَدَلَ السّواكِ
لا يخفى ما في كلمة سواك من إشارة إسلامية ولكن المهم هنا
هو هذا الجمع بين الوهم والمخالب 
بين مجانبة الحقيقة وبين العدوان والشراسة 
بين الاعتقاد الخاطيء والمرض العقلي ؛ ما يقع في الذهن ممالا حقيقة له ، لعل الشاعرة تشير او تقابل
بين التبجح بالحقيقة والانتماء إليها وامتلاكها الواهم 
وبين امتلاكها الواقع والمتحقق والصادق
اي كما فرقت في الحضارة القديمة بين الاوغاريتي صاحب الابجدية وبين حفيده الذي ليس له منها إلى التسمية 
تذهب لتفرق من جديد بين المسلم الذي انجز الوحي ووريثه الذي ليس له من الوحي إلى التسميه 
الشاعرة تحدث انتقالاً جديداً في تفكيك الموروث
في بيان قوى التأثير
من قوة الابجدية لدى الأوغاريتي التي ملكها السوري وملّكها للعالم فكان جديرا بسيادة نفسه وغيره 
إلى قوة الوحي التي امتلكها المسلم واحدث بها المساواة الافقيه بتوحيد القبائل والغاء تشريف طرف على طرف 
مع المساواة العمودية بإلغاء الطبقية وتوزيع الثروة وتمكين المواهب والكفاءات فحق له ان يكون سيدا لنفسه ولغيره
وأن لا ينساه التاريخ او يستهين به 
حفظت الشاعرة إذن لإنسان اليوم قوتان : الابجدية المتعدية الفائضة 
والوحي الجامع الموحد لتقول له ماذا ورثت منهما 
هل انت متسامح محب تنادي بالرحمة 
ام انت خلاق مبدع تمد البشرية بالمخترعات و ادوات الخلق ووسائل الابتكار 
انتقلت من حدث الابجدية و حدث الوحي
من الجد الأوغاريتي و الأب المسلم 
من الميراث إلى الوارث 
إلى العربي اليوم الذي فقد إنسانيته واستحال وحشاً
فقد حقيقته الروحية والعلمية وانتهى إلى وهم 
تحول من ابجدية تمده وتشع به ووحي يملأه رحمة وتسامحا 
إلى وحش ينشب براثنه ومخالبه واظافره وشهوة فتكه وبطشه وجهله في ابناء جلدته ومسالمي شعبه
ولا يخفى ما في الفعل يلوك في قولها براثن وهم تلوكها اي 
تمضغها وتديرها في شدقيك وتعضض فيها بدل السواك 
لا يخفى ما فيها من اشارة تجدد في الوحشية والهمجية
التي صارت ذهنية متوارثة تجددها الطائفية وهويات الضيق فتتقلب بين الاجيال وتتنقل
الشاعرة إذن وبمراجعة فنية بالغة القوة تتأمل واقعها وتحاول الغوص إلى جذوره الكامنة لتجد النسغ الذي به تنجو من هذا القواء وتتغلب على هذا القحل واليباس 
تريد ان تتزحزح عن الوهم وما يلازمه من عدوان وشراسة 
وحرب ملعونة حطمت وتحطم كل شيء حتى ليس بإمكان فرد مهما كانت مؤهلاته أن يتصدى لها أو يحمي عينيه من اظافرها 
تقول الشاعرة :
أُحاوِلُ أنْ أنتَزِعَني مِنْ بَراثِنِ وَهْمٍ
تلوكُهُ بَدَلَ السّواكِ
لكنّ أظافِرَ الحَرْبِ تَنْغَرِزُ في مُقْلَةِ غَضَبي
فَيَصْمُتُ مُكابِراً
تَحْتَ تأثيرِ مُداهَماتِ الأفْرُعِ الأمْنِيّةِ إثْرَ خِطابٍ
لمُعْتَنِقي دَجَلِ السّياسَةِ
من الواضح في هذا المقطع ان الشاعرة استكملت مؤشرات الحركة والعبور فأظهرت سبب المجد والعظمة وأظهرت سبب الحقارة والخواء 
لنتأمل في هذه العلامات 
مداهمات الأفرع الأمنية 
معتنقي دجل السياسة 
حرب تنشب أظافرها في مقلة المسالمين
من الجلي والبين في هذا المقطع ان الاستبداد والقوة الغاشمة من جهة واحتكار الحقيقة والانتماء إليها من جهة ثانية يعطلان إرادة الإنسان واختياره 
يحرمانه من المساهمة في نحت المصير الجماعي 
الاول يقتل الأبجدية يحرم حدثها العظيم من الإشعاع والثاني 
يقتل المواطنة لأنه يشرّف طرفا اجتماعيا ونمطا من الوجود وتصوره على الاطراف والتصورات الأخرى
تقول الشاعرة :
اليوْمَ نصَبْتُ مَرارَةَ يُتْمي رايَةً خَفّاقَةً
وعَنْوَنْتُ رِوايَتي (ما لنا غيرك يا الله)
أنْتَظِرُ أنْ يَقْرَأها الله بِصَوْتٍ عالٍ
وأنْ يُشارِكَ في حَفْلِ تَوْقيعِها كَراعٍ لِمَأساتِنا
هذه الخاتمة التي ترشح بالتفجع وتفيض بالمرارة هي صرخة العاجز الذي امتلك كل القدرة ذهنيا وفقدها إجرائيا 
هي صرخة الفرد في وجه الجماعة 
صرخته في وجه السلطة السياسية المستبدة الغاشمة 
سلطة المداهمة وكتم الأنفاس وتعطيل الأبجدية 
والسلطة الدينية التي تمنع المواطنة وتحاصرها بإعلاء طرف عل غيره وتمكين تصور على سواه 
السلطة التي تمثل الوهم فتمنع اسباب التعايش وتعلق المناقشة العامة وإمكانية العيش المشترك
لهذا فإن هذه الأطروحة الفردية بكل ما تحمله من إضاءة وكاشفيه لم يعد أمام محاصرتها والتضييق عليها إلا الخروج من الارض والعروج إلى السماء 
فقدت أسماع الناس التي اصمَّتْها الديانة و سدها الاستبداد
فمامن سميع يسمع غير الله وما من شريك يفعل غيره
فإما أنه موجود فيكتب لهذه النبية حقها بالأنصار ويجد لخطابها سبيلا إلى التبني والاعتناق نحو الفعل واستعادة المجد
او انه من الوهم فيكون امتدادا لقوة الشلل المسؤولة عن كل هذا القواء وكل هذه الحقارة الحضارية والذلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق