الاثنين، 16 يناير 2017

النصية وايقاع الفكر // من كتاب الاستاذ محمد شنيشل فرع الربيعي // مثاقفة النص - لوجيا علي عيدان عبد الله // العراق

النصية وايقاع الفكر / محمد شنيشل فرع الربيعي
(من كتابنا القادم / مثاقفة النص ـــ لوجيا علي عيدان عبد الله)
ما نستشفه من قراءات النظريات والمناهج والمدارس وحتى المقالات النقدية المعاصرة ، ما نستشفه أن هنالك إشارات ترمي بدوالها الى أن النص الأدبي المعاصر نوع من الممارسات والسياقات العقلية ، يُكتب(النص) ويُمارس على مستوى فكرىٍّ عالٍ لما يتضح في دقائقه من هطول معرفي ومحطات ومرافىء طافية للعيان ، حتى دخلت الدراسات المعاصرة ومنها اللغوية الى عمق الجملة الشعرية ومنها الى المفردة الواحدة ، فالاستعارة أنقلبت في مفهومها التقادمي من الكلاسيكية وانفصالها عن اللغة " أو أداة واردة عليها كي تنجزنتائج محددة ..." تيرنس هوكز ــ الإستعارة ــ ترجمة :عمرو زكريا عبد الله مراجعة :محمد بريري ــ ط1 ، 2016 ، ص109 ، المركز القومي للترجمة ــ القاهرة فهو بالتالي يقف على أرضية من المشتركات وللوقوف على هذا الأمر ينبغي التعرف على تلك الحمولات الفكرية المرتبطة بعوالم من السياسة والإقتصاد وعلم الإجتماع والفلسفة ...
إن المصطلح السياسي والإقتصادي والإجتماعي... لم يعد يحمل صفاتا فردانية مقصورة على دراسة ذاته لذاته وانعزاله في توليد مقاصده ، وإنما إنسحب على قراءة النصوص الأدبية وتداخلت فيه بقية العلوم فبدلا من كونه منظم للحياة اليومية الخاصة أصبح منظما للحياة الفكرية ، فهو بالنتيجة محط إهتمام المتصدي الذي يرى النص غير مرتبط بمشيمة واحدة أو حضارة واحدة ، وإنما هو متنوع الغذاء والمصادر والمثاقفة ، وبالتالي يجد نفسه على عجلة من أمره وهو يبحث في طريقة إستكناه العمل النصي ، لأنه في زمن ملتهب الأفكار والتجديد ، أما المدارس والمناهج النقدية فهي لا ترى النص إلا من زوايا قد قررتها لنفسها وآمنت بها ، ومنها من فاضلت بين الشكل والمضمون داعية إلى الاعتناء بالشكل على حساب المضمون ، ومنها من نظرت الى زاوية بنيوية النص متأثرة بعلوم اللسانيات التي هجرت الدلالة وخلطت بين الشكل والمضمون ، فتصدت للنص ذاته ، فهي خير من يمثل موت ، المؤلف ، ومؤسسها عالم الانثروبولوجيا الفرنسي: كلود ليفي ستراوس ( 1908ــ 2009) ، ومن كتابها ، جاك لا كان، ميشيل فوكو، رولان بارت، إلى جاك دريدا ، لويس التوسير...
بعد أن تخلخل جدار البنيوية ، ثار عليها رولان بارت ، وميشيل فوكوه ، وجاك دريدا وغيرهم لينتقلوا بعدها الى (ما بعد البنيوية) وهي قريبة لمفهوم ما بعد الحداثة ومن أهم كتابها ميشيل فوكو صاحب (ما بعد البنيوية) والتفكيكية لجاك دريدا ، وهما نموذجان تعتد بهما الدراسات الحديثة فقد" طور جاك دريدا (1930-2005) التفكيكية بوصفها تكنيكا لكشف تعددية تأويل النصوص. وهو بهذا قد تأثر بهيدغر ونيتشة، ويقول دريدا: ان النص كله يكتنفه الغموض، وهذه الاحتمالية للتأويل النهائي والكامل هي من المستحيلات ."جاك دريدا ، ما بعد البنيوية."
بعد هذا المسح الذي يقودنا الى طرح مقارنة بين أكثر من حضارة نقدية للنص تاريخية سياقية ، وواقعية معاصرة ، تنماز أنها منفلتة الحمولات ، غير مستقرة في درجات ثبوتها (عقلية تمارس رؤيتها للنص فكريا ، وإن تعددت في مصادرها) وهنالك حضارة نقدية واقعية تقليدية ما زالت تنظر الى النص بطريقة تكنكة لغوية (صور وعاطفة وجماليات وبلاغة...)
وقد يطغى النص العاطفي التقليدي أو الدرامي أو السردي أو المفتوح... على موضوعة النص ، فيحيله الى كتلة لا تستكنى ضربها إلا من باب واحد يحدده الجنس الأدبي .
إن العاطفة والصورة والجمالية ... في النص الأدبي ومنه الشعري قد استوفت وجودها وتغلغلت الى أدق التفاصيل الشعرية حتى تموضعت عبر زمن يقدر بمئات السنين وكذلك الجمالية من حيث التوظيف اللغوي والصورة ، وحتى مفاهيم علم النفس التي نظمت القراءات النصية على مدى قرون لم تعد تسبر غور القارىء(غير تلك التي تتعلق بالتفكير والعقل) ، فلم تعد الكشتالت والتحليل النفسي ويونج ونظريات الشخصية...ذات قيمة مؤثرة في القراءة (عدا المتجدد منها) لأنها تقترب جدا من نزوع العاطفة ، فما الذي يريد أن يقوله الشاعر عن عمق العاطفة الإنسانية الآن ، أو يصف لنا قصة حب مثيرة ، أو فراق حبيبين ، أو تعبير عما يجول في النفس ، أي ما هو الـمناخ الإبـداعي المطـروح لكي تـبقى عوامل الجديد تتفاعل وتتلألأ في عالم النصية ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق