الخميس، 15 ديسمبر 2016

عجوز إرنست : قصة قصيرة ،،، للاستاذ صالح بن هشام /// المغرب

عجوز إرنست :قصة قصيرة !
بقلم الاستاذ : صالح هشام ! 
ثمانون عينا تتسكع في محاجرها في كل اتجاه ، أحسبها عيون سرب من الحرابي ، تقتحم تلك الكتلة اللحمية المترهلة ، تكاد تجردها من ملابسها الداخلية ، عشرات المخاخ الملساء ،تنزلق فوقها الكلمات ،تتشظى على صفحتها طلاسم الجمل :
صغرى ٠٠٠كبرى ٠٠٠ لها محل ٠٠٠ليس لها محل ! 
يهوي بجسده البدين على الكرسي ، المتهالك ،مؤخرته المكتنزة تحدث صريرا مزعجا ، يصيح فينا : 
- أ فهمتم يا أولاد ؟
لم نكن نعرف ، أفهمنا أم لا ؟ لم نكن ندرك ماذا سنفهم ! نصيح صيحة بركانية ، عالية ، بصوت واحد :
- نعم فهمنا يا أستاذنا !
تنبسط ، أساريره وترتسم ابتسامة عريضة على شفتيه :
- إذن ما هي الجملة الكبرى ؟؟!؟!؟ما هي الجملة الصغرى ؟
يطبق صمت قاتل ، تكسره ذبابة خضراء قادمة من مأدبة جيفة ما ، خارج المدرسة ، كحوامة تحط فوق أنفه الكبير : أنف سيرانو ، يريد دهسها ، يهوي عليه بلكمة قوية ، تخرق الذبابة المجال الجوي للفصل ، وتتلاشى عبر فتحات النوافد، نستحضر قصة : المرأة والذبابة والقاضي ، نحنط همهماتنا على شفاهنا ! 
يتملكنا خوف شديد ، نندس في بعضنا كأسراب سردين أو قطيع شارد ، قد يفلت ضعيفنا بقوينا ، نتكتل ، نريد امتصاص ردة فعله ، ونقتسم العقاب بيننا بالميزان ! 
يتلمس محفظته البنية القديمة ، يتمعن بحسرة وحنين إلى الماضي ، توقيعات أصدقائه أيام الزمن الجميل تزركش ظهرها ، يصرح فينا ، والزبد يتطاير من بين شفتيه : 
-فيا موت زر إن الحياة ذميمة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ويا نفس جدي إن دهرك هازل! 
جذاذات امحى مدادها ، طال بها العهد ، عصى غليظة يراقصها رقصة أفعى ، تتربص بالطريدة ،متوعدا،مهددا، والغضب يكاد يتلف عقله ، يكاد يخنقه ! 
-أنتم كذابون يا أولاد ال ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠!
يكتسحنا بلل بارد من الرأس إلى عمق المداس ، تسري روائح كريهة بين الصفوف ،تزكم أنوفنا ، نتبادل نظرات الاستنكار ، والشماتة :
ربما فعلها جبان في سرواله ، ربما تشققت مصارينه؟
أتظاهر بالاهتمام ، ألصق عيني في سحنته القمحية ، وفي قرارة نفسي : لو أتف ٠٠أتف ٠٠ أتف على وجهه اللعين ،هذا ،المكروه حد الغثيان !
أختلس نصف نظرة تحت الطاولة ، تلتصق عيناي مباشرة بعيني إرنست ٠٠ يبادلني نظراته الحادة ، الموسومة بدهاء ثعلب ، أبالغ في النظر إليه :
قبعته المائلة صوب الناصية ، تلاشت ألوانها ، بهتت تماما ، كثرة اللمس تذيب الحجر : ملمس متسخ ، ملمس نظيف ، هذا يحترم إرنست ، ذاك يتظاهر به فقط !
من ملامحه البنية ، تفوح رائحة البحر والطحالب ، ممزوجة برذاذ أمواج باردة ، يحدثني إرنست : 
- تفضل يا ولد ، اصعد، اصعد ، المركب يوشك أن يبحر، العجوز ينتظرك ، اخرج من نتانة هذا الفصل ، ماذا يهمك أنت أ كانت جملة كبرى أو صغرى ، فإنك لن تجني إلا صداع الرأس ، ستضيع في متاهة أسبقية البيضة أم الدجاجة ، البدرة أم الشجرة !
أجيبه بحيرة وأنا استرق إليه النظر ، تحت الطاولة : 
- يا إرنست ، ربما مات العجوز ؟ فمن سيقود هذا المركب في عرض بحر دوما متلاطم الأمواج ؟ 
-اصعد يا ولد ! سؤالك هذا سمعته من زوجتي ، لا أذكر أكنت في الفصل الاول أم الأخير ، أنا مثلك لا أعرف هل سيموت أم لا ، ألا تراه لازال على المقود ؟ احمل المياح ، وانطلق في عالم الحرية ، إنتش بزرقة البحر ، وصياح النوارس ، و لذة الصيد الوفير ! 
-لكن يا إرنست لماذا المياح؟ فهل ستكو ن هناك مخاطر؟ سأكون في عرض البحر ، والربان عجوز تشققت يداه بجر الحبال ، ووهن العظم منه ، وأنا أخاف البحر ، فإلى أين تقذفني يا إرنست ؟ 
-اصعد ولا تخف ، البحر ربيب الحرية : لا عصىى ، لا جملة كبرى ، لا جملة صغرى ، سيعلمك هذا العجوز معنى الحياة ، والانعتاق من قيد هؤلاء الجهلة ! 
يراودني البحر والنوارس على نفسي ،و العجوز الطيب يغريني ، يحمل المياح ، يقيه مخاطر المياه العائمة ،لا عصى بارزة النتؤات !
تسلبني نظرات إرنست تركيزي ،نظراته تنم عن ذكاء لا عن بلادة ذلك المستكرش ، إنه يحسن فن الإقناع ! 
أضع القدم الاولى على حافة القارب ، أهم بالصعود ، يمد لي العجوز يده ، أحزم أمري، أقرر ركوب البحر ، سأحلق بعيدا.... بعيدا ... في عالم الحرية والزرقة التي تضاهي زرقة السماء !
فجأة ، ينتشلني هذا المستكرش ، الأحمق ، من حلمي ، ينحني على الطاولة ، يطل تحتها ، يده المفلطحة الغليظة تعيث في أذني اليمنى فسادا ، يحكها حكا ، أشعر بها ساخنة ، تكاد تنفجر ، أتألم ، أتأوه : 
يخرج صديقي إرنست من تحت الطاولة ، بنشوة كمن عثر على صيد ثمين ، بنبرة حنق وغيض يصيح في وجهي :
-ما هذا يا ولد ؟ 
ألوك كلماتي ، تنفلت ثقيلة من شفتي المتورمتين ،ينز العرق من جبهتي : 
- إنه إرنست يا أستاذ !
-من إرنست هذا ، أ هو الطراح في فرن حيكم يا ولد ؟ 
-لا يا أستاذ ، إنه [ همنجواي] يدعوني لرحلة بحرية رفقة هذا العجوز الطيب !
يرخي أذني ببطء ، كادت تنفجر دما ، يتوجه إلى تلك الجموع من الأجساد ، المتراصة على الكراسي الخشبية : 
-زميلكم يا أولاد ، أصابه مس، لا ،لا ربما خبل ، ربما جن المعتوه ، يحدث صورة في درج الطاولة ، فهل رأيتم بحرا هنا ؟
- لا يا أستاذ نا ! 
- هل رأيتم عجوزا هنا ؟
- لا يا أستاذنا !
-هل رأيتم مركبا أو زورقا أو نورسا هنا يا أولاد ؟
-لا يا أستاذنا ! 
-إذن هذا لا محالة مجنون ، إنه يهلوس ، سأستدعي مسؤول الصحة المدرسية ، لينظر في أمره ؟ 
أمام عيني المغرورقتين بالدموع، يمزق وجه إرنست ، يتلف الأوراق ، يفركها ورقة ورقة بين أصابعه ، يكورها ، يدحوها، يشبع حنقه من تقطيعها ،يطوح بها قرب باب الفصل ، تستقر في قاع سلة المهملات والأوساخ ، أصيح في وجهه ، وأنا في عز غضبي الهستيري :
- إنه [إرنست همنجواي ]، يا أستاذ ، إنه لم يكن معلما مثلك ،يحمل عصى ، يلقن الجمل شهرا كاملا ،إنه يحمل قلما وهموم الناس ، إنها [رواية الشيخ والبحر] ، هذه ليست كراسة جملة كبرى، و جملة صغرى٠٠٠ !
ألملم نفسي ، أضع أقلامي في مقلمتي ،أحكم ربط حزام محفظتي فوق ظهري ، أخترقه بنظرات التحدي .، أصد باب الفصل خلفي ، يمتصني الفراغ ، تشيعني العيون ،حائرة ، مستغربة ، لكن مباركة فتحي العظيم !
بقلم الأستاذ : صالح هشام 
الثلاثاء 13 دجنبر 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق