الاثنين، 19 ديسمبر 2016

النهر الميت /// ملاحظات نقدية لقصيدة ،، النهر الميت ،، للشاعر العراقي عبد الجبار الفياض // بقلم الاستاذ احمد المنصوري / المغرب

النّهرُ الميّت
مﻻحظات نقدية لقصيدة "النهر الميت "للشاعر العراقي عبد الجبار الفياض.
بقلم اﻷستاذ * أحمد المنصوري * المغرب
كثيرا ما نسائل أنفسنا ونحن نشد الرحال لمغامرة اقتحام نص إبداعي من أجل مقاربته..-لماذا يختار القارئ نصا بعينه فيستهويه ويشده؟ ...وبمعنى آخر أﻻ يمكن نعتبر أن النص هو الذي يختار القارئ ﻷنه يتغلغل داخل كيانه ،يسكنه ،ويثير هذيانه...إدن من يختار من؟
وكأن الناقد ليس هو الذي ينتقي النص. بل النص هو الذي يراه ويستدعيه للغوص في مغامرة محفوفة بالمخاطر الفاتنة.وربما هناك شيء آخر يتحكم في العلائق بين القارئ والمقروء.قد يكون انسجاما ثقافيا ، أو تماه وجداني قد يغيب (بشدة مكسورة على الياء) التعامل مع النص وفق منهج مضبوط .ﻷن القارئ في هذه الحالة قد يتجاوز اﻵليات المنهجية .ويصبح أكبر من المنهج ذاته...
ونص الشاعر العراقي الكبير عبد الجبار الفياض "النهر الميت" غمرني بفيض سحره العبق اﻵتي من عمق الحضارة اﻹنسانية التي انبعتث من بلاد الرافدين.فأصابني بنوع من الهذيان. 
وقد يكون عنوان القصيده (النهر الميت) - بما هو مفتاح النص- اختزاﻻ للنص بأكمله.ذلك ﻷنه يتمحور حول تنائية ضدية محورية ، وأساسية في وجودنا ككل.هي تنائية:الحياة والموت.
فكلمة النهر ،جاءت معرفة ..والنهر ماء دافق ، والماء رمز للحياة ..للحركة للخصب والعطاء ..وللشفافية وانعكاس الصورة ،كما أنه يرمز ﻻنسياب الشاعرية...
إﻻ أن الشاعر أردف صفة الموت على الحياة ، أي أنه نزع مدلول الكلمة اﻷول وأعطاها مدلوﻻ مغايرا ، بل مناقضا..وجمع بذلك بين متناقضين .خالقا فجوة أو مسافة توثر حادة بين الدال والمدلول وبين القارئ والمقروء ، عن طريق اﻹنزياح الذي جعل لغة العنوان تقول أكثر مما تقوله عادة. 
وعبر هذه التنائية يتمحور النص ككل، حيث يبتدئ بالحركية .وهي حركية مستمرة ﻻ تنتهي ولا تستقر.ومن غرائبية هذه الحركية أنها يلفها الموت الذي يدفن اﻷحلام وينشر الظﻻم والسواد.لكن جدلية الموت والحياة ﻻتتوقف أبدا .فاﻷحلام عنقاء تنبعث من الموت .وهي تستمد قوتها من خلال توظيف الشاعر للرموز التي أعطت للقصيدة زخما إيحائيا عبر تداخلها ، فهذا أوديب، يخترق كل لعنة ويتوسد خطاه..وفي انسجام بروموتيوس بكبده التي تنهشها الكواسر وهي تتجدد في تحد رائع ، بالحلاج وبريخت.. ومانديﻻ..ولوركا...يتجسد رمز التحدي بكامل عنفوانه لكل اﻹحباطات باختلاف أضربها وتنوع مشاربها...
هكذا إدن. .تنبجس الحياة من الموت الذي يسحب ظلاله على كل مكونات العراق ..فرغم الخصب ، فهناك انتشار للجوع وتكاثر مخيف للجياع .ورغم التاريخ الثقافي والحضاري ،فهناك خنق للقول السديد وقمع للحريات.. (أكل اللحوم.. جند فرعون..عشق يذبح...عيد يصبغ..صوت يخنق...)إنه واقع مرير ، وكأن حمام الموت في بلاد الخصب خيم على كل المجاﻻت حتى لم تعد صورته غرائبية ، بقدر ما أصبح أمرا اعتياديا ...
هذا الحاضر المأساوي الذي تقدمه القصيدة ، يستحضر الماضي المشنوق ..الذي سرعان ما يتم تجاوزه ﻻستشراف مستقبل غامض لم يكشف عن وجهه بعد.
ولم يعد غير أنين نغم السومري وهو ينشد سمفونية الموت ، وطواحين دون كيشوط وهي تحارب الفراغ والرياح ...بيد أن عتمة الموت والدمار السائدة، ستتبدد تدريجيا أمام قوة اﻷمل والتحدي..
فجمالية النص تكمن في حركيته الدائرية التي تبتدئ بالحياة ، عبر"دارت وما انتهت" وتنتهي بجملة"يولد نهر للعشق" .هكذا إدن تكشف حركة انبناء اللغة في القصيدة عن المنحى الصدامي بين الموت والحياة التي تنبجس من اليباب، وتنمو واعدة بمستقبل متوهج..لتمنح القصيدة هالة نور تبدد عتمة الدواخل.
*أحمد المنصوري*
19/12/2015
دارتْ 
وما انتهتْ 
ليس لها أنْ تستقرْ 
من غيْرِ أنْ ينفرطَ عقد 
علقتْ بهِ من الملائكةِ عيونْ 
أنْ تُرجمَ في صحراءِ الوَهْمِ حروفُ الأبتداءْ . . . 
أنْ تُدفنَ في عتبةِ الدّارِأحلامٌ صغيرةٌ 
استبطنَها قلبٌ كبيرْ . . .
. . . . .
شِباكٌ سوداءٌ 
متاريسُ تحبسُ خطىً
تتخطى زمناً
يتنفسُ موتاً برئةٍ صفراءْ!
نزعَ أُوديبُ لعنتَهْ
مُفترشاً ظلامَهُ النّقيّ !
. . . . .
نهرٌ 
ظمئتْ شفتاهْ 
قبرٌ مفتوحٌ
مستورٌ بباقةِ عدسْ
تشيّعُهُ أرضٌ 
تعصرُهُ خمراً 
وعلى البابِ حُفاةٌ 
يضرسون 
بين وجودٍ 
وعدمْ 
. . . . . 
مقطعةُ الأزرارْ
استباحَها جُندُ فرعون
لم تزرْها قدمٌ بحناءِ عُرسْ 
نخّاسٌ 
يرى بأصابعِهْ
لم تزلْ أصنامٌ تُطعمْ
كَبِدَ برميثيوس
دَمَاً
أوصى به الحلاّجُ 
زيتاً لدروبِ العُتمةْ !
. . . . . 
أضدادٌ
تتجاورْ 
تتعرى تماماً من أوراقِ التوتْ
اقنعةً تتحدثْ 
إنّهُ مهرجانُ الوجوهِ المُحترقةْ !
. . . . .
؟
من دونِها 
عبَرَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا . . . 
مانديلا 
خرقَ جدارَ زمنِهْ . . .
رسمَ بريختْ دائرةَ طباشيرهِ القوقازيةْ . . .
جعلَها لوركا بصقةً بوجهِ فرانكو . . . 
ومُعلقةً 
تركَها الحمدانيُّ في جفنِهْ 
وليحتفظِ الغيْمُ ما شاءَ بقطرْ!
. . . . .
لا صُبْحَ
يأتي باسطاً كفيْه 
وعاشقون
بمناديلَ مبللةٍ 
يتقزمونَ تحتَ أقواسِ فتحٍ كاذبْ
. . . . . 
رحىً تطحنُ جوعاً
ناعورٌ 
يشربُ عطشاً . . . 
دُرْنا حولَهُ كثيراً
أكَلَ من لحومِنا كثيراً 
نحتَنا دورانُهُ هُزلاً بوجهِ العادياتْ . . . 
عشقٌ يُذبحْ 
عيدٌ يُصبغُ بسخامٍ تتريّ 
صوتٌ 
يُخنقُ بحبلهِ السّريّ . . . 
حنانيكْ 
أيَّها الكريمُ الكاتبْ . . .
يومُنا ينزفُ صمتاً ثقيلاً 
لا حبلَ غسيلْ 
الأتساخُ 
يُلعقُ بنهمِ الذّبابْ . . .
الموتُ
أكلَ كُلَّ أكفانهْ
دُجِّنَ في زرائبِ البغالْ !
لم يَعُدْ داكناً
تُطرَحُ في طريقهِ التمائمْ . . . 
المقابرُ 
لا تُريدُ أمواتاً 
أماتَها الموتُ مِراراً 
فتعفّنتْ موتاً !!
. . . . .
ماضٍ 
شنقناهْ 
جعلناهُ إماماً . . .
شَنَقَنا 
جَعَلنا عبيداً !
الصّهيلُ 
يقتلُ الخيولَ المربوطةْ . . .
. . . . . 
عُذراً 
يعقوبَ النّبيّ 
سَمَلَ الحصيرْ
عُذراً 
باكيةً صخراً 
آلَ ياسرْ . . .
أطلتمْ بقاءً بيننا
الضّيافةُ 
أفرغتْ كُلَّ الجِفانْ
حروفَ الإحتفاءْ . . . 
أزفَ الرّحيلْ
دعوا السومريُّ 
يُداعبُ قيثارةَ عِشقهْ
بجنانِها 
تنعمُ عاشقةٌ من بابلْ . . . 
حينَ يهبطُ شلاّلٌ 
يولدُ نهرٌ 
للعشقْ !!
. . . . .
1/12/2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق