الجمعة، 16 ديسمبر 2016

قصة قصيرة // صابر // للاستاذ عادل نايف البعيني /// سوريا .. وقراءة نقدية بقلم الاستاذ محمد باقي محمد

قصة قصيرة يتلوها دراسة نقدية اقدمها للمهتمين من الاصدقاء الادباء والكتاب:
.
"صابر"
.
أنا متأكّد من الخبر الآن أكثر من أي وقت مضى، لم أسمعه قيلا عن قال، بل سرى إلي من ذات النبع، صابر نفسه مرّره لي عن قصد، وقد أكّدته لي والدته أم حسين بعد ذلك بحين. لم أشكَّ لحظة فيما قاله صابر بل ازددت يقينا، بسبب ما وصلني همسا من نساء الحي عجائز وصبايا، نعم لقد سمعته أكثر من مرّة، وقد وصلني منذ أيّام من إحداهنّ طازجا كرغيف تحمّر خجلا في تنّور.
ملأتني الدهشة كمن يرى جرذا يطارد هرّة، أو ثعلبا يصليه ديكٌ بمنقاره نقراً، تساءلت حول ما ظننته أعجوبة مع أحد الأطباء المختصين، فأكّد لي أن الأمر قد يحدث، لأسباب نفسية وفيزيزلوجية، لعل أكثرها حضورا فيض الحنان غير المحدود، قال:"عندما يهيم شخصٌ بآخر يمكن أن تحصل الأعاجيب، ولكن هذا نادرٌ جدّا. إذن لَم يعد أمامي بعد ذلك من خيار إلاّ تصديق ما سمعت، تغيّرت نظرتي إلى أمّ حسين، وزاد تعلّقي بصابر، وصرت كلّما لاحت مناسبة حول هذا الأمر تحدّثت به، ولكننّي كنت أُجابه من السامعين بالاستنكار دائما والسخرية أحيانا. 
صابر أعرفه جيّدا إنّه صديق طفولة ومدرسة وحارة، كثيرا ما كنت إذا أضعت نفسي وجدتها بين يديه. حتى أمّي ما كانت لتسأل عنّي، إذا ما تأخرت ليلة، ونمت خارج المنـزل، يقينًا منها أنني نائم عند صابر. وعندما قضيت ذات زمن ليلة حمراء عند إحداهُنّ، لم أجد صعوبة في إقناع من شكّ بالأمر بأنني كنت عند صابر، حتى صابر نفسه كاد يصدّق ذلك، فالزمن بيننا منسي، وبقليل من الدهاء والمراوغة يقتنع ويصدّق. 
قلت له يوما:"صابر ما هذا الذي نبت تحت ذقنك؟" 
فك زرّين أو ثلاثة من قميصه وأراني مزرعة من ليل فاحمٍ، شكّلت سهلا من العشب الأسود، امتدّ حتى غطى كامل الرقبة نزولا إلى الظهر، مع تقدم العمر توشّح قسمٌ منه بالبياض، وقد التفّ أواخره مشكلاً مواسير تستطيع أن تدخل فيها إصبعًا وتبدأ بلفّها أكثر من مرّة. ذعرت من تلك الغابة الكثيفة، قلت له: "يمكنك تجديل شعر صدرك وكتفيك" ضحك بعفوية طفل وقال:
"و يُغنّونَ لي بعد ذلك... يا بو الجدايل على العنق المايل".
لَم يكن صابر طويلا ، ولا قصيراً، بل كان كما يقولون: "شرط الرجال" مَلَك بُنية قوية ومتينة، 
انفتلت عضلاته، وبرزت شرايين ساعديه، فكنتَ تخشى حينما يسلمُ عليك أن يهرسَ عظامَ كفّك بأصابعه. كان هادئا طالما لم يستفزّه ما يراه خارجا عن المألوف، تميّز بصبر استقاه من اسمه، إضافة لذلك كان ذا عينين بنيّتين، طالت أهدابهما، حتى شكّلت لهما خيمة تحميهما من قرٍّ وحرٍّ. وإذا ما ضحك بانَ صفٌ من أحجار صوّانية بيضاء مرصوفة كيفما اتفق، شيء واحد أخلاها من عيب النظر، تلك السنُّ الذهبيةُ التي رجته أمّه أن يسمح لامرأة من " النوَرِ" أن تصنّعه له، وتثبّته فوق السنّ السليمة. وقد راقته تلك السنّ فيما بعد فراح يباهي أصدقاءه بها، حتّى صار يعرف من خلالها. 
توالت على صابر المصائب فمات والده الذي كان يعمل سائقا في مديرية الخدمات، والذي بالرغم من عدم تجاوزه الستين عاما كنت تراه عجوزا تغضّنت وجنتاه، وبان الأزرق على ظاهر كفيه، وازدادت نظارته سماكة حتى بتّ ترى عينيه بحجم حبة الجوز، حمل من الهم ما لم يحمله عشرة رجال، وهو راض مستسلمٌ لقدره، لم يبدُ عليه أنّه كان يشكو من شيء، فبعد أحدِ العشاءات جلس يشرب الشاي كعادته على مصطبة البيت، بينما انغرس كوعه في مخدّة سميكة من الصوف، أخذ رشفة شاي، ولم تَتلُها أخرى، لوى عنقه ومات. ليصير صابر يتيم الأب. 
لم يكن يُعرف صابر بهذا الاسم إلا في دائرة النفوس والسجلات الرسمية، فقد كنّا نناديه "معذّى"، اسم لم أجد له جذرا يؤدّي معناه، وعندما سألته مرّة عن إشكالية اسمه قال:"كان لي أخ اسمه صابر مات قبل أن أولد، وعندما جئت أنا بالسنة ذاتها، لم يشأ أبي أن يوفِّيَ أخي صابر، تركه حيّا، وأماتني!! ثمّ أورثني اسمه وعمره، دون أن يكلّف نفسه الذهاب للنفوس وإجراء معاملتيْ الوفاة والولادة الجديدة. لكن أمي أسمتني معذّى فذهب بين الناس، فأنا اليوم صابر الذي عاش من جديد، لكنّني أكبر من عمري الحقيقي بسنتين". 
كان صابر آخر العنقود من البنين والبنات، لهذا كان محط اهتمامٍ من أمّه وأخواته، حتى من أخيه الكبير حسين، لكنّ الدلال لم يفسده، بل اندفع يشق طريقه في الحياة، فانخرط في صفوف الجيش متطوّعا، وتنقّل في رتب عسكرية، حصل على أعلاها بما يلائم مستواه التعليمي الذي لم يتجاوز الثانوية.
اليوم التقيت صديقي صابر، لقد زوّج بِكْرَهُ من الذكور، وبنتين من بناته، صار جدّا، وما زال يتمتع بتلك البنية القوية والمتينة المحيّرة، عادت بي الذكرى لفترة شبابنا، ومرّ بخاطري ذلك الخبر الذي شغلني زمنا، وتركني بين مصدّق ومكذّب، حتى قالت لي أم حسين وهي تضحك بعفوية بعد أن سألتها عن تلك الأعجوبة:"نعم يا ولدي، الخبر صحيح، لا أدري ما السرّ في ذلك، كان معذّى وهو ابن خمسِ سنين، عندما يراني عائدة من عينِ الماء، والجرّة على كتفي، يستوقفني في الطريق، يكشف عن صدري فيرضع حتى يرتوي، وأنا واقفة تحت حملي، ثم يغادرني راكضا ماسحًا بكمّه الحليب الذي يسيل متقاطرا من فمه.
سورية - السويداء ...
محبتي
فيما يالبي دراسة تحليلية ونقدية للقصة أعلاه قدّمها الناقد السوري عضو اتحاد الكتاب العرب الأستاذ الأديب والقاص محمد باقي محمد:
/ تحليل صابر محمد باقي محمد
ربّما لأن " عادل البعيني" يعي دلالات العنوان، لعب على هذه الدلالات، بقصد إثارة أسئلة محفزة، لنقرّ بأنّه نجح في تخيّر عنوان دال ولكن غير مفصح تماماً، فصابر اسم فاعل من الفعل صبر، ثمّ أنّه يحيلنا إلى صبر النبي أيوب المحفور في ذاكرتنا الجمعية، فمن هو صابر هذا!؟ وما الذي جرى له حتى دفع القاص إلى تخصيصه بنص قصصيّ يحمل الاسم ذاته!؟ 
إنّ العنوان يقوم بوظيفة سيميائية ومعرفية، فهو يشكّل عتبة نصية ممهدة من جهة، إلى جانب توفره على عنصر الإيحاء والتحفيز ، وذلك من خلال المسافة المفترضة بينه وبين المتن لمصلحة التشويق، أي بهدف استدراج القارىء إلى قراءة هذا المتن، ولا شكّ أنّ " البعيني" حقق الكثير مما تقدّم!
يأتي المتن على حكاية شخص اسمه صابر، لنكتشف المفارقة الأولى في حياته، إذْ اسماه أهله معذى، بيد أنّ أباه رقن قيده في السجلات الرسمية، وترك له اسم شقيقه صابر الذي توفيّ قبل أن يكمل السنتين من عمره، كان صابر آخر العنقود، فتحصّل على محبة واهتمام أهله، لكنّ الدلال لم يفسده، وتوفيّ والده في سن مبكرة، فتطوع في الجيش على أساس الشهادة الثانوية، وتدرج في المراتب بحدود شهادته تلك، ثمّ زوج ابنه البكر وابنتين من بناته، وأصبح جداً!
لقد بنى القاص نصّه على لحظة المفارقة، التي تلخصّت في أنّه حمل اسم شقيقه المتوفيّ، وقد تتموضع الطريقة التي كان يرضع بها صدر والدته في الطريق على الرغم من بلوغه الخامسة في الخانة ذاتها، لكن الأحداث التالية لا تدخل تماماً في باب المفارق، فلقد توفيّ أبوه بغتة، إلاّ أنّ وفاته لا تشكل استثناءً، على الرغم من عنصر المباغتة في تلك الوفاة، ثمّ أنّ امتهانه الحياة العسكرية لا يندرح تحت بند المفارق، حتى لو حدث هذا بفعل الحاجة، لقد تزوج الرجل كما يحدث للآخرين، ورأى أحفاده، فهل تنضوي بنيته المتينة، أو الشعر الكثيف الذي يغطي صدره، أو تعامله الحميمي مع أصدقائه، على المغاير!؟
وفي التنفيذ لجأ إلى ضمير المتكلم، ما يحيلنا إلى الأساليب الحديثة في القصّ، لكنّه لم يسند هذا الضمير إلى الشخصيّة المحورية، بل أسندها إلى صديق له، ليقوم بدور الراوي، ما أبقى وصف الشخصية، أو الوقوف ببواطنها خارجياً، من غير أن يكون له - أي للراوي - إسهام واضح في الحدث!
أمّا في الاشتغال على الزمن، فلقد لجأ القاصّ إلى زمن فيزيائيّ، يسير من الماضي نحو الحاضر فالمستقبل في إجمال النصّ، لكنّه كسر رتابته بحدود إذْ اتكأ على الذاكرة في الاشتغال على تفاصيل أو محطات من حياة صابر، فجاء فيها على زمن منكسر، إلى جانب اللعب على الكشف المتدرج عن الحدث بقصد التشويق، فأوحى به كما في البدايات من غير أن يفصح عنه إلاّ بعد حين!
وعطفاً على ذاكرة المكان، كان في إمكان " البعيني" الاشتغال عليه في مستوى آخر، كأن ينسب صابر إلى محيطه الاجتماعي، ثمّ يشتغل على تفاصيل البيئة بحسب متطلبات النصّ، ليكسبه حضوراً نفسياً إلى جانب حضوره الواقعي، عندها لم يكن تحوله - من مجرد حاضن بيئي للحدث إلى فضاء قصصيّ يقف نداً لأبطاله – مستحيلاً في ما نزعم!
لقد جمعت لغة النصّ التوصيفي إلى التعبيريّ، لانشغال القاصّ بالجمالي من طرف، ومقتضيات التكثيف من طرف آخر، هي لغة دالة إذن، لكنّ التأكيد على الأحداث أوقعها في التكرار أحياناً!
وفي الخواتيم فاجأنا القاص باللقطة التي يأتي فيها على إرضاع الأم لصابر في الطريق، لكنّ إحساساً بأنّ النصّ لم ينته ظلّ يراود المخيلة!
لقد حسم القاص خياراته، وليس لنا إلاّ احترام تلك الخيارات، لكننا - على علمنا بأنّ ما نقوم به يفتقد إلى أسانيده - نتوهم بأنّ استثمار الحالة النفسية - التي أسماها جزئياً بفيض الحنان، وذلك إلى جانب طريقة تسميته - كان سيشكل مشروعاً لبناء شخصية إشكاليّة لشريحة واسعة، أي لبناء نصّ من مقام آخر.
محمد باقي محمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق