كان دخولي عنوة
كنت جائعاً،ابحث عن كسرة خبز، علّها تسد عني جوعي. تسللت الى المطبخ كاللص، مستغلا عدم وجود احد. ما عدا الفلاح الذي كان منشغلا في تشذيب الشجيرات في الحديقة. إهتديت الى المطبخ بواسطة حاسة الشم القوية عندي ، خزائن وادراج الجزء السفلي من معرض اثاث المطبخ، جميعها مقفلة، او هكذا بدا لي. لم أقاوم النظر الى الجزء العلوي بسبب واجهته الزجاجية الملونة. ليومين متتاليين قضيتهما محجوزاً في حجرة مظلمة، لم أأكل شيئاً. اتكئت بجسمي محاولا التسلق الى الجزء العلوي.لامستْ قدمي أحد الأدراج، فانفرج صدفة عن آخره، شعرت بالنشوة كمن اكتشف سراً وانفرجت أساريري. بحثتُ بداخله عن شيئ يؤكل فلم أجد. نكصت الى الوراء. صدمت بجسمي الدرج المجاور، فانفتح. عثرت على قطع من البسكويت البائتة. شممت رائحة غريبة منفرة إنبعثت منها، ولكن مع ذلك رحت اتناولها بشراهة. ماذا اعمل؟ فقد كنت جائعاً، وبطني خاوية. واحمد الله، اني استطعت ان أحرر نفسي، وأصل حجرة المطبخ. كنت منهكاً. التهمت من قطع البسكويت ثلثها تقريباً، وكنت امضغها وانا مُغمّض العينين، وفكري سارحاً كطفل يتلذذ بما يأكل ويجمع بنفس الوقت،بين لذة الاكل ولذة التفكير بأشياء أخرى. أنا أعرف بأنني طمّاع، ولكني نادراً ما اعبث بممتلكات غيري ، لان هذا ليس من صفاتي. وما افعله الان هو من قبيل هذا النادر، فأنا اعرف ان قطع البسكويت التي التهمتها الان، قد تكون مخصصة للفلاح او للولد الصغير يتناولها عند عودته من المدرسة. ولكن لا بأس ان تكون الان من حصتي. وحتى تلك القنينة الممتلئة باللبن ، هي أيضاً ستكون لي، وستكون حافزاً جديداً لطمعي، ولكن علي ان اتذوقها قبل كل شيئ لأتأكد من طعمها اللذيذ. ومن صلاحيتها "ها ،ها ،ها" أي صلاحية؟ أنا اموت من الجوع !
تناولت القنينة وشربت ما بداخلها.. ولم اترك منه شيئاً.
سمعت صوت طرق على الحائط ، تسلقت قليلاً رافعاً مستوى نظري، لأستوضح ما يحصل في الخارج، صرت أطل على مساحة مفتوحة، رأيت الفلاح وهو يقف امامي مباشرة بعينيه الصغيرتين النائمتين في محجريهما، يحمل مسحاة يضرب بطرفها الحائط بين الحين والآخر. أخفيت نفسي عنه بسرعة، وعدت ابحث عن مورد جديد مرة اخرى. ورأيت هذا وانا أطل على الخانة الزجاجية في الجزء العلوي. شئ على هيئة علبة كبيرة يبدو انها تركت شبه مفتوحة، جاهزة لتناولها دون معاناة. وحتى لو لم تكن كذلك فسوف افتحها بأسناني دون حياء. أنا جوعان وطمّاع، واريد اي شيئ يملأ معدتي، قبل ان يحضى بوجودي احد !
آه.. لقد تذكرت كيف أني لم أفكر حتى الان بالخروج من هذا المأزق. ولكن كيف لي ان اخرج ؟ وانا منهكاً وهناك الفلاح و… أنا خائفٌ، تقمصني الخوف منذ ان رأيت المسحاة ! ولكن علىَّ ان أكون جادّا في التفكير للخروج من هذا المأزق، على ان يكون ذلك ، بعد ان أُلقم نفسي ببعض محتويات العلبة. لا ادري لِمَ اوحت لي العلبة بالاطمئنان الرضا؟ حتى بدا لي ان كل شيئ سيكون على ما يرام! مما زاد في تعلقي بها ، ورحت أرمقها بنظرت حاسمة.. متوعدة.
وقبل ان أحاول التسلق، خَيّل إلي انني احتضنها، واغترف بكلتا يدي ما فيها، وأأكل.. أأكل بشراهة، وبدون تركيز.. حتى فقدت توازني، فإنقلبت العلبة بما فيها. ولما استعدت توازني ..نظرت.. فرأيت العلبة مازالت مستقرة في مكانها، ولكني أحسست كأنني شبعت..وان بطني بدأت تنتفخ..وتنتفخ..وأصبح كل شيئ حولي يدور..رأسي يدور..عيناي تغشيان..لو تمددت قليلا على الارض..اريد ان انام.. فقدت السيطرة على حواسي..نسيت كل شيئ، نسيت العلبة..تشنجات متتالية راحت تعصف بكل أنحاء جسمي. رقبتي، أطرافي ، بطني..أخذت بطني تؤلمني..وتكاد تنفجر بما فيها..شعرت برغبة في التقيؤ.. انتقل الالم الى قلبي ، تسارعت دقاته وأخذ يخفق بقوة ..صداع شديد في رأسي..وتوترات غريبة في أطرافي..منذ يومين لم أسمع لي صوتاً..أردت ان اعرف، هل ما زلت امتلك صوتاً..فتحت فمي،فأطلقت صوتا غريباً، لا يمت لي بصلة.
دفعتني نوبة عصبية مباغته..أسقطت بعض الاطباق أرضاً.. وتفككت قطع ووصلات الرفوف البلاستيكية..لم تسلم مني حتى القارورة الزجاجية الكبيرة قرب رفّ الصحون، وكان لصوت وقوعها وتحطمها صدى كبير..رأيت وجهي في مرآة جانبية صغيرة..عيون مبحلقة وشعر متطاير..شعرت بأنني معنّفٌ، وفاقد اِلسيطرة، سمعت شخيراً (….) مزعجاً يخرج مع أنفاسي، وسمعت من بعيد، صوت الفلاح وهويقول لصاحبة الدار :
"يوجد جرذ في المطبخ..
كنت جائعاً،ابحث عن كسرة خبز، علّها تسد عني جوعي. تسللت الى المطبخ كاللص، مستغلا عدم وجود احد. ما عدا الفلاح الذي كان منشغلا في تشذيب الشجيرات في الحديقة. إهتديت الى المطبخ بواسطة حاسة الشم القوية عندي ، خزائن وادراج الجزء السفلي من معرض اثاث المطبخ، جميعها مقفلة، او هكذا بدا لي. لم أقاوم النظر الى الجزء العلوي بسبب واجهته الزجاجية الملونة. ليومين متتاليين قضيتهما محجوزاً في حجرة مظلمة، لم أأكل شيئاً. اتكئت بجسمي محاولا التسلق الى الجزء العلوي.لامستْ قدمي أحد الأدراج، فانفرج صدفة عن آخره، شعرت بالنشوة كمن اكتشف سراً وانفرجت أساريري. بحثتُ بداخله عن شيئ يؤكل فلم أجد. نكصت الى الوراء. صدمت بجسمي الدرج المجاور، فانفتح. عثرت على قطع من البسكويت البائتة. شممت رائحة غريبة منفرة إنبعثت منها، ولكن مع ذلك رحت اتناولها بشراهة. ماذا اعمل؟ فقد كنت جائعاً، وبطني خاوية. واحمد الله، اني استطعت ان أحرر نفسي، وأصل حجرة المطبخ. كنت منهكاً. التهمت من قطع البسكويت ثلثها تقريباً، وكنت امضغها وانا مُغمّض العينين، وفكري سارحاً كطفل يتلذذ بما يأكل ويجمع بنفس الوقت،بين لذة الاكل ولذة التفكير بأشياء أخرى. أنا أعرف بأنني طمّاع، ولكني نادراً ما اعبث بممتلكات غيري ، لان هذا ليس من صفاتي. وما افعله الان هو من قبيل هذا النادر، فأنا اعرف ان قطع البسكويت التي التهمتها الان، قد تكون مخصصة للفلاح او للولد الصغير يتناولها عند عودته من المدرسة. ولكن لا بأس ان تكون الان من حصتي. وحتى تلك القنينة الممتلئة باللبن ، هي أيضاً ستكون لي، وستكون حافزاً جديداً لطمعي، ولكن علي ان اتذوقها قبل كل شيئ لأتأكد من طعمها اللذيذ. ومن صلاحيتها "ها ،ها ،ها" أي صلاحية؟ أنا اموت من الجوع !
تناولت القنينة وشربت ما بداخلها.. ولم اترك منه شيئاً.
سمعت صوت طرق على الحائط ، تسلقت قليلاً رافعاً مستوى نظري، لأستوضح ما يحصل في الخارج، صرت أطل على مساحة مفتوحة، رأيت الفلاح وهو يقف امامي مباشرة بعينيه الصغيرتين النائمتين في محجريهما، يحمل مسحاة يضرب بطرفها الحائط بين الحين والآخر. أخفيت نفسي عنه بسرعة، وعدت ابحث عن مورد جديد مرة اخرى. ورأيت هذا وانا أطل على الخانة الزجاجية في الجزء العلوي. شئ على هيئة علبة كبيرة يبدو انها تركت شبه مفتوحة، جاهزة لتناولها دون معاناة. وحتى لو لم تكن كذلك فسوف افتحها بأسناني دون حياء. أنا جوعان وطمّاع، واريد اي شيئ يملأ معدتي، قبل ان يحضى بوجودي احد !
آه.. لقد تذكرت كيف أني لم أفكر حتى الان بالخروج من هذا المأزق. ولكن كيف لي ان اخرج ؟ وانا منهكاً وهناك الفلاح و… أنا خائفٌ، تقمصني الخوف منذ ان رأيت المسحاة ! ولكن علىَّ ان أكون جادّا في التفكير للخروج من هذا المأزق، على ان يكون ذلك ، بعد ان أُلقم نفسي ببعض محتويات العلبة. لا ادري لِمَ اوحت لي العلبة بالاطمئنان الرضا؟ حتى بدا لي ان كل شيئ سيكون على ما يرام! مما زاد في تعلقي بها ، ورحت أرمقها بنظرت حاسمة.. متوعدة.
وقبل ان أحاول التسلق، خَيّل إلي انني احتضنها، واغترف بكلتا يدي ما فيها، وأأكل.. أأكل بشراهة، وبدون تركيز.. حتى فقدت توازني، فإنقلبت العلبة بما فيها. ولما استعدت توازني ..نظرت.. فرأيت العلبة مازالت مستقرة في مكانها، ولكني أحسست كأنني شبعت..وان بطني بدأت تنتفخ..وتنتفخ..وأصبح كل شيئ حولي يدور..رأسي يدور..عيناي تغشيان..لو تمددت قليلا على الارض..اريد ان انام.. فقدت السيطرة على حواسي..نسيت كل شيئ، نسيت العلبة..تشنجات متتالية راحت تعصف بكل أنحاء جسمي. رقبتي، أطرافي ، بطني..أخذت بطني تؤلمني..وتكاد تنفجر بما فيها..شعرت برغبة في التقيؤ.. انتقل الالم الى قلبي ، تسارعت دقاته وأخذ يخفق بقوة ..صداع شديد في رأسي..وتوترات غريبة في أطرافي..منذ يومين لم أسمع لي صوتاً..أردت ان اعرف، هل ما زلت امتلك صوتاً..فتحت فمي،فأطلقت صوتا غريباً، لا يمت لي بصلة.
دفعتني نوبة عصبية مباغته..أسقطت بعض الاطباق أرضاً.. وتفككت قطع ووصلات الرفوف البلاستيكية..لم تسلم مني حتى القارورة الزجاجية الكبيرة قرب رفّ الصحون، وكان لصوت وقوعها وتحطمها صدى كبير..رأيت وجهي في مرآة جانبية صغيرة..عيون مبحلقة وشعر متطاير..شعرت بأنني معنّفٌ، وفاقد اِلسيطرة، سمعت شخيراً (….) مزعجاً يخرج مع أنفاسي، وسمعت من بعيد، صوت الفلاح وهويقول لصاحبة الدار :
"يوجد جرذ في المطبخ..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق