الثلاثاء، 10 مايو 2016

مشاكسة المعجم الشعري / قراءة في قصيدة / ايها الضاحك/ ل.راضية فعلول / للناقد شاهين دواجي / الجزائر

مشاكسة المعجم الشعري / قراءة في قصيدة ** أيها الضاحك **لـ ـ: راضية قعلول 
أيها الضاحك الصاخب ...
أعصار... انفجار مدمر أنت
وورقة خريف صفراء ذابلة أنا
ملأت سعة قلبي بحضورك
إرهابي متسلط أنت
ومتطرفة أنا في اعتناق العشق
تغزوني نظراتك
إلى حد الفاصل بين الحياة والموت..
ــــــــــ هو ـــــــــــ
مهلا سيدتي ..
أنت من مشيت على أطراف أصابعك
وبكل هدوء زرعت عبوة ناسفة
في كياني
ففجرتني
شظيتني
غزوت مدني
دككت أسواري
وقلاعي
نسفت حصوني
فتحت أبواب روحي واستوليت عليها
بحار أنا ضاعت منه البوصلة
كيف أجدني ؟
كيف أرأب صدعي ؟
كيف ألملم ذاتي ؟
ـــــــــ هي ــــــــ
يا أنت يامن تدعي البراءة
حين أطفأ الليل نجومه
أشعلتني
أشعلتني أنفاسك الملتهبة
صرخاتك المجنونة
لقلبي الذي يغزل ضوء القمر قصيدة
هزمت حلمي .. جعلته يتقوقع في
ذاكرة منفية
أسمع صداه وهو يتقلب
في أتون هاجس
يرهقني السؤال عن لون المجهول القادم
أكره أن أكون سجينة وقت ينسج حول عنقي
يرقات عجيبة تخنقني
ــــــ راضية قعلول ــــــ
- جميل هو الخروج عن المألوف وكسر الثوابت وكل ما يعتقد الناس أنه من السنن الكونية في الأدب لأن هذا هو عتبة التميز و البريق ، هذا الذي اريده من هذا النص للوالدة كما تحب أن اناديها – راضية قعلول ، هذه الشاعرة التونسية التي تريد ان ترسم لنا في نصها هذا طريقا آخر للشعرية الحديثة ...كما سنرى .
- أولا يجب أن نتفق على أن الإبداع الأدبي مهما كان نوعه ومستواه لا يجب أن ينظر اليه الا على أنه كسب بشري يعتريه ما يعتري سائر المحدثات من البلى والتقادم ، وعليه فلا شيء في هذا الأبداع لا يمكن كسره .وماتميز من تميز إلا بكسر القواعد التي اعتقد الناس انها من طابوهات الحياة كما يرى كولون ولسون .
- في هذا النص الجميل اجد ماقررته قبل قليل حاضرا وبقوة ذلك أن هذا النص من نوع الغزل الرقيق الذي يشكو فيه المحبون آهاتهم وأوجاعهم جراء عذابات الحب ... وفعلا هنا مقابلة بارعة بين ذاتين عاشقتين كل ذات تتهم الأخرى بجريمة" العشق " والحوار وإن كان ظاهره شكوى من معذب الى معذب في عالم الحس فهو في الأن نفسه دلالات منفتحة على كل فضاء قد" تخدعك " فترمي بك في أي بيداء مقفرة ...
- لست هنا بصدد اقتفاء معاني هذا النص الجميل إذ هذا مستحيل ما دام المعنى في بطن الشاعرة .
- ما اصبو اليه هوأن أنقل لكم ظاهرة جميلة هنا هي : استعمال معجم ما في غير محله أي مشاكسة المعجم وافتضاض بكارة العلامات اللغوية ؟
- قلت : ترى شريحة عريضة من النقاد أن الميزة الأهم لأي شاعر أن يحسن التوفيق بين معجم النص وما يحمله من دلالة بتعبير أوضح مثلا : أن النص الحماسي مثلا يجب أن يتضمن معجما فخما وقويا : الطعان – الشجاعة - الغزو – القتل ....
والغزل مثلا : الحب والعذاب والوله والفراق و,,,,,,
- وهي رؤية سليمة لها ما يبررها من الناحية الفنية لكننا هنا بازاء نص تعتمد كما أسلفت المشاكسة اللغوية التي تشوه الوجدان المتلقي للنص ... عملية هدم ممنهجة لكل قوانين المعجم امتعارف عليها الشاعرة هنا تحكي قصة عشق بينها وبين المحبوب بواسطة "اسقاط خبيث " على عملية غزو بين قوتين ... الشاعرة هنا ليست "ذاتا شاعرة" فحسب إنما "محللة عسكرية" بامتياز ... هي هنا تنطلق - " بمكر الأنثى " – من تعريف المتصوفة للحب على أنه ** امتلاك واستئثار وعدوان أرواح على أرواح** لترسم لنا لوحة دامية لمشهد العشق .
- وإذا عرفنا هذا عرفنا فيما بعد أن رسالتها في هذا النص أن تنقل قواعد المنهج التفكيكي لديريدا من مستوى الدلالة والبنية العامة لأي تشكيل الى المستوى المعجمي ، حيث تقوم أولا بتدمير مركز النص " اللوغوس " ثم تعمد الى تحطيم تلك الرابطة المنطقية الأزلية بين " الدال " و "المدلول " بعبارة أوضح تقرر أنه من الممكن جدا أن نعبر عن" نص وجداني " بمعجم عسكري " وهنا المفارقة .
- غير أنه يمكن لبعض الحذاق أن يقول : هذا ليس جديدا فقد استخدمه درويش في كل من الجدارية و رائعته سجل أنا عربي و عبد المعطي حجازي في :" ياهواي عليك يامحمد "و كذا فعله سميح القاسم في عديد أعماله ؟
فأقول هو ذاك لكنني لا أتحدث هنا عن لمحات عابرة دعت إليها ضرورة الدلالة والبناءات السياقية للنصوص ، أنا أتحدث عن طاهرة عامة في هذا النص حيث أمامي نص حاضر هو معركة وغزو يتم بين طرفين متعاديين بالمقابل أستطيع أن ألمس نصا غائبا هو بوح رقيق شفيف لعاشقين يتهم أحدهما الآخر بالعدوان ... فتم لنا كلا النصين بمعجم واحد هو مانراه ونلمسه .
إن الناظر في هذا النص مع قليل من التأني سيلحظ - كما قررت – معجما لا تخرج دلالة أي من علاماته عن معجم الحرب : المدمر – الإرهابي – المتطرف – الغرو- التفجير- الشظايا - النسف ........... بل لا تتوقف الشاعرة عند هذا الحد إنما تروي بسرد يفيض شعرية دافقة " تفاصيل" هذه الحرب استمع إليها في هذه الأنساق : تغزوني نظراتك - عبوة ناسفة – دككت أسواري - نسفت حصوني وقلاعي - .....
- ثم إن" المعركة " لاتتم على مستوى الير فقط إنما لها جانب بحري أيضا : "بحار أنا ضاعت منه البوصلة " ... نحن أذن أمام معركة متكاملة الأركان والعدد والعدة ... نحن أيضا أمام " جريمة " معجمية جميلة راقية ارتكبتها هذه الأم التونسية ...
ولا بد أن الشاعرة أحست بذكاءها عظم" جرمها" وإيغالها في انتهاك المعجم فأرادت أن تعتذر لنا اعتذارا "ماكرا" شفيفا فأوردت في المقطع الأخير أنساقا تناسب اللحظة الشعورية للغزل إسمع : أشعلتني أنفاسك الملتهبة / لقلبي الذي يغزل ضوء القمر قصيدة / .... اسمع صداه وهو يتقلب ... وغير ذلك من التعابير الرقيقة التي ألفت الآذان سماعها من العذريين .
خاتمة :
- يمكن أن نجد في هذا النص سقطات لا يخلو منها أي نص من حيث انه ليس قرآنا يتلى وليس هذا وقت الاشارة اليها لكن طريقة استخدام الشاعرة للمعجم تغطي على هذا النقص فالحداثة الشعرية كما يفهمها منظروها تجعل افتضاض الدلالات صنوا لافتضاض المعجم بل لا يتم افتضاض الأول الا بالثاني ونعتقد من وجهة نظرنا أن الشاعرة قد وفقت في هذا الى حد بعيد . 
مع تحيات : شاهين دواجي / الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق