قراءة نقدية بقلم السباعي مجيدة / المغرب
[في قصة : (( أشواك ناعمة))]
[للأستاذ أحمد أبو ياسر/ المغرب ]
هذه الناقدة ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ما أثار انتباهي في هذا العمل النقدي الموفق ،هو معرفة بالناقدة والكاتب عن قرب ، من خلال قراءتي نقديا لنص من نصوصه ، اذ ترك في نفسي انطباعا رائعا ، وذلك لأن الطريقة التي ينهجها هذا القاص في الكتابة ، -أنه ينقل الاحداث للقاريء ويفجرها من الداخل بلغة سرد سهلة وبسيطة ، لكنها تفي بالواجب في هذا المجال ،يركز الأستاذ أحمد على القضايا الاجتماعية ، باسلوب مميز مستهدفا منه الكشف عن بعض الأمراض الاجتماعية التي تنخر مجتمعاتنا العربية ، ويظهر أنه يحترم طبيعة أبطال القصة القصيرة الذين يتقوقعون في دائرة التهميش والتأزم والاضطهاد الاجتماعي وغير ذلك ،ولعمري إنهم أبطال قصص كبار القصة القصيرة ، وأعتقد أن الأستاذة مجيدة السباعي ، لا تقل أهمية عن النحلة التي تبحث عن الرحيق الجيد في جميل الورود ، فاختيار النص للدراسة والتحليل النقدي ليس بالامر الهين أبدا لأنه يخضع للذائقة الفنية قبل ان يخضع للذائقة النقدية ، لأن الناقد قاريء يستوجب تفاعله مع النص شخوصا وأحداثا ، وهذه الميزة سبق أن أشرت إليها في قراءات الأستاذة مجيدة السباعي ،ذلك إنها تنصهر في بوثقة الشخوص ، وتنسجم مع أحداث النص إلى حد الحفظ وهذا يساعدها على تفكيك النص وهدمه وتجميعه واعادة بنائه بدقة متناهية ، إذ تشرح النص وتنحت على جسد ه لغتها بشكل موفق ! أتمنى للناقدة مسيرة نقدية موفقة ، فهي واصلة إن شاء الله لما لمسته فيها من جدية وإصرار على اختراق النصوص والابحار في متاهاتها من أجل البحث عن الدرر والجواهر ، كما أتمنى الأستاذ أحمد مسيرة سردية موفقة في كشف عيوب وأسرار هذا الواقع المتخن بالجراح !
تقديم بقلم صالح هشام ____________________________
[القراءة النقدية لنص :]
[أشواك ناعمة ]
تساعد قراءة النص قراءة تحليلية - نقدية على فهمه، لأنها تساعد على إثارة الانتباه إلى مكوناته مبنى ومعنى ، وإلى الصور الجمالية الثانوية فيه ، كما تفيد القراءة في فهم إيحاءات النص الظاهرة منها والمضمرة، الصريحة والموحى إليها ، ومن ثمة، تساهم في فتح الرسائل المتضمنة في عمقه، وقد تغوص في نفسية البطل أو الأبطال ، والمؤلف نفسه ، مما يفيد في إغناء النص ومنحه قيمة إضافية، ونفث روح جديدة في جسده فترحل به إلى عالم أكثر رحابة، وأطول عمرا، لأنها تستقطب قراءً جددا للنص ، غير الذين قرأوا النص نفسه، ويتجدد من ثمة ماء النص ودمه . وتكون القراءة مفيدة أكثر إذا كانت تتم من باب التفاعل مع النص والإعجاب به.
في هذا الشأن، يشرفني حقا أن أقف، مرة ثانية، أمام كاتب من مستوى الأستاذ أحمد أبو ياسر، في قراءة جديدة، أعترف أنها متواضعة وخجولة لنص شامخ ، عنوانه : ((أشواك ناعمة )).
لا يخفى على القراء أن لهذا القاص حضورا وازنا في فضاء السرد ، ويتميز في حضوره بأسلوبه الآسر السلس، ويبصم في كتاباته بصدق الحرف، وعمق الرؤى، ورونق الدلالة، وجميل الرسائل. يساعده في ذلك امتلاكه ناصية الحرف وقواعد اللغة، وقدرته على التعامل مع الكلمة، وتشكيل الجمل كما شاء ببساطة مذهلة، وبذكاء رائع، حيث يخرج القارئ في نهاية قراءته لأي نص من نصوصه بانطباع صار مألوفا عند القراء، من دون شك، وهو أن أسلوبه سهل ممتنع.
يمتلك هذا القاص، في الوقت نفسه، رؤى ثاقبة للواقع المعيش، فعينه عين الصقر، كما يقال، في التقاط المتناقضات، بالنظر لأوضاع الأبطال الذين استعان بهم في نصوصه والفضاءات الاجتماعية التي يحركهم بقلمه على خشباتها، كان من نصيبهم أن يشاركوا بأشواك الحياة، وأن تدميهم عذاباتها، رغم مكابدتهم للتكيف مع أوضاعهم، سواء أكانوا من الفئات البسيطة أم من الطبقات العليا.
بعين الصقر، من هنا وهناك، يلتقط القاص أحمد أبو ياسر مواضيع أقاصيصه، ثم يغزلها بسرد جميل أخاذ، واضعا لكل قصة مقصدا ساميا ، لأن كل النصوص التي قرأتها له لها رسائل تدعو للتأمل والإنصات، والتحسيس، والتنوير؛ وتلك هي أسمى رسائل الأدب والعلوم الإنسانية.
فماذا عن : ( أشواك ناعمة) ؟ هل هناك أشواك ناعمة ؟ إنه العنوان الذي اختير بعناية فائقة، لهذا النص، وظفه الكاتب كرمز دال لغاية تخدم عمق القصة ... عنوان من كلمتين متنافرتين، و دلالتهما غير منسجمة ، الأول سلبي ( أشواك) والثاني إيجابي ( ناعمة) ، مما يثير في ذهن المتلقي تساؤلات وتساؤلات عن سر الجمع بين طرفي نقيض في عنوان القصة ، إنه ولا شك استفزاز استراتيجي ، من النوع المحبب، لأنه يدفع القارئ إلى القراءة (أشواك ناعمة) أيضا كلمتان تصرخان بالبساطة، لكن ظاهريا وحسب، لإن دلالتهما في النص تتجاوز البساطة المألوفة ، وتتمدد لتشمل دلالاتهما الرمزية ، لأن الأمر يمس أحاسيس أناس يضاجعون الأشواك والنعومة، فكان المطلوب أن يجمع بينهما العنوان ، إنها دلالة الرمز حين يكون حمالا لواقع مر ، حيث تتجاوز اللغة البسيطة نفسها فتستدعي التركيب كما في : أشواك ناعمة... وباختصار إن اختيار العنوان لم يكن سهلا أبدا .
في (أشواك ناعمة) بالذات البطلة بدوية بهية، اشتدت رغبتها في الخلاص من عُتي العيش في البادية ، فألقت بنفسها بين يدي رجل لتسكن عالم المدينة، تحسب أن هذا الزواج منقذ لها، (( أومأت برأسها تعبيرا عن قبولها بالذي طلبها للزواج، رغم اعتراض والدها، بدعوى أن الرجل ليس له عمل قار)). غضت الطرف أو ربما تعامت ف ((وافقت على أملٍ أن تتخلص من متاعب المرعى وأشواك الحطب والمحْطَب، وبِرجاءٍ في سعة الرزق وطول العمر)) . جراء صدمة النشوة، طار الزوج ((... على جناح الفرح إلى المدينة، واكترى عشا جديدا للحياة الزوجية)). ومن حسن حظ القاص، أو كما حلا له أن يوهمنا، وهو يعارك ويكابد مشاق الكتابة، أن الوافدة الجديدة اكترى لها زوجها سكنا في العمارة التي يقيم بها ، فصار جارا لها.
وماذا بعد ؟ الذي حدث أنه، كما يقول الكاتب عن نفسه (( كثيرا ما كنت أسمعها تعبّر لوالدتها عن فرحها بتبدل حالها، وامتلاكها أشياء لم تكن تحلم بها: ثلاجة ، تلفاز، هاتف محمول، سرير كبير للنوم ... وتحكي لها عن بنات ونساء المدينة، وزينتهن... وعن كل شاذة وفاذة )) . هكذا صار يسمع كلامها وحواراتها وهي تحكي عن حياتها الجديدة لوالدتها، ثم ((حين بعد حين )) يخبرنا أنه صار يلتقي (( بها على دَرَج السُّلَّمِ، وهي تحمل الغسيل، في الصُّعود أو الهبوط))، لفتت أنوثتها انتباهه (( امرأة سمراء جميلة، تلوّح برأسها في ممشاها، وغالبا ما تدندن بأغاني بدوية مليحة )). إنه الإعجاب الذي فاض به نبضه ، ولم يتمكن من إخفائه فباح به إلى صديقه بما يلي: (( همستُ عن إعجابي بصوتها لصديق لي، فأخبرني، على لسان زوجته، أنها ترقص أيضا رقصا ولا أروع . أما ضحكتها فكانت تلفت السمع بنبراتها التي تصيب الفؤاد في الصميم، وقد سمعت زوجها مرارا يخاصمها جراء ذلك . أليس هذا دليل اهتمام من قبل الكاتب بالقادمة الجديدة ؟ كل كلامه يوحي بذلك، حتى أنه وجد نفسه متورطا، وصار يسترق السمع لحواراتها مع زوجها، واستغل منها حوارا ساخنا ، كي يمهد به لنهاية القصة، فكتب على لسان الزوج نفسه : ((تحسستُ مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟ ردَّد كلامه مرات عدة، ثم أضاف : ألا تسمعين ؟ هل أنت صمّاء؟)) إنه السؤال القفل، سؤال القصة كلها، سؤال القضية برمتها، سؤال الحياة، وهو السؤال الذي ترتب عنه جواب كالصاعقة في قول المرأة (( أتعي ما تقول يارجل؟ كنت في المرحاض ... في المرحاض، أتسمع؟)). ليس هذا فحسب ، بل يضيف الكاتب صاعقة ثانية بعد الصاعقة الأولى : (( انتظرتُ خروج أحد الجيران، تأخَّر كثيرا حتى كدتُ أصرخ من شدة الآلام في بطني ))، هنا نفهم ، لأول مرة، أن المرأة الجميلة أسكنها بعلها في غرفة واحدة، وأن المرحاض مشترك بين الأسر التي تسكن الغرف الأخرى في الشقة المشتركة. إنها قضية النص الكبرى أو ما يسمى في القصة القصيرة بالعقدة، وعنها تفرعت كل قضايا القصة الثانوية والهامشية، إنها القضية التي أطلق عليها الكاتب اسم : أشواك ناعمة ، مقارنة بأشواك البادية الدامية، إنها قضية سكنى أسرة في غرفة واحدة بشقة من غرف عدة ومرحاض مشترك. وعن هذه القضية تفرعت قضية أخرى من قبيل الشك في عفة المرأة في ظل وضع مزر رشح في (( مرحاض مشترك)) بالليل كما النهار ، وإهانتها المعبر عنها في المثل الشعبي ( قبلنا على الهم والهم ما قبل علينا). في النص أيضا قضية تنبيه إلى أن ضعف الحيلة قد توقع المرء في مهب الريح، ولا ينفعه التشبث بريشة لا تنفع مع التيار الجارف... على غرار الزواج فقط للهروب من بيت إلى بيت آخر، كما حال المرأة هنا، حتى إذا انهار حلمها وجدت نفسها كالفراشة التي انجذبت بقوة النور الوهاج، لكن لاهي نعمت بالنور، ولاهي قادرة على الخلاص بنفسها والتراجع ، لأن النور كان محاطا بالأشواك، بل وجدت تلك الفراشة نفسها ، وهي التي تهوى الغناء والرقص، تهوي صريعة إلى الدرك الأسفل ، حين تحولت في نظر الشريك إلى شيطانة (( تحسست مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟ )). وهكذا تصير الحكاية حكايات ، والقصة قصصا ، تبكي حروفها ألحان شجن بعيون أنثى مقهورة ... كل سمات القهر.
بذلك، يتضح أن قراءة النص لا تنتهي بعد أن تنتهي هذه القراءة، لأن القارئ يبدأ قراءة أخرى حين يبدأ التفكير في قضايا النص ، وتلك هي سمات النص الناجح لأنه يجعل القارئ مرتبطا به يفكر في تبعاته، يتفاعل مع قضاياه حتى حين ينتهي من القراءة الأولى، تماما كما حدث لي ، حيث بلغ التفاعل إلى الشروع في كتابة هذه القراءة ، وهي بالضرورة ليست كالأولى ولكنها امتداد لها .
إن ما يحقق استمرار الارتباط بين النص والقارئ هو النص نفسه، وهو هنا في (الأشواك الناعمة) مغزول بحبكة ، لفظا ومعنى، كما تقدم، على أن أهم ما لفت انتباهي كثيرا فيه هو المناورة في الكتابة، وهذا شيء أعشقه ، ويعشقه عشاق الأدب الجميل، لذا راقني جدا إقحام صاحب النص للذات الكاتبة في نسيج الاحداث، و هذا من سمات الأدب الرفيع حيث يتجاوز المألوف ليصنع البهاء والمتعة ، وذلك أيضا من سمات الأديب الذكي أيضا ((سألتُ نفسي مائة سؤال وسؤال. وقلت: آه، يا قلمي، هل أجد في جوابها قفلة مناسبة للقصة؟ انتظرت فترة حسبْتُها دهرا ، حتى خفت أن أكون قد ضيعت الجواب، فاقتربت قليلا من العتبة. إذا به يعيد السؤال مرة أخرى ))، إنه استعمال موفق ومشوق لتقنيات السرد الحديث التي تقطع حبل السرد المتسلسل بتدخل مباشر للسارد . أعجبتني أيضا وكثيرا فكرة أن يكون الراوي للحدث هو الجار وفي نفس الوقت الكاتب نفسه ، وهذا أسلوب عالمي في حد ذاته ، فهو هنا يدعو القارئ للانسجام مع الراوي، والاستماع لحكيه، متعمدا أن يقطع حبل القص التقليدي- الرتيب بتدخله المباشر. حتما هذا يثير فضولا جميلا، وتركيزا قويا ، و تقنية ذكية.
أما القفلة التي أتى بها السارد، وهي عنصر هام في هذا الفن كما هو معروف، فكانت ناجحة جدا لأنها جاءت عكس أفق انتظار القارئ ، بل مفاجئة لكل توقع، وفي الآن نفسه صادمة.
هكذا تجري الأحداث وتتسابق القضايا في أقصوصة متميزة ، بأدوات متناغمة مع موضوعها ، لغة وأسلوبا . إلى ذلك ، إن النص ينبض بالأحاسيس، يثير الانتباه إلى أحوال الناس البسطاء الباحثين بشق الأنفس عن حياة كريمة ، يعني أنه من صنف الأدب الهادف.
أشهد أني قرأت هنا إبداعا من طينة إبداعات نجيب محفوظ وعبدالكريم غلاب ومحمد شكري ، وكثير من ذوي الأقلام التي تصدت للحديث عن المجتمع وتناقضاته بأسلوب نسميه عادة : السهل الممتنع، لكن ببصمة خاصة هي بصمة أديب باسم جديد هو : أحمد أبو ياسر . دمت مبدعا أيها القاص، وشكرا لك على الإمتاع اللامتناهي.
أتمنى أن أكون موفقة ...
بقلم الناقدة : مجيدة السباعي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
[أشواك ناعمة / قصة قصيرة ]
[للقاص : احمد ابو ياسر]
أومأت برأسها تعبيرا عن قبولها بالذي طلبها للزواج، رغم اعتراض والدها، بدعوى أن الرجل ليس له عمل قار.
لكن البنت وافقت على أملٍ أن تتخلص من متاعب المرعى وأشواك الحطب والمحْطَب، وبِرجاءٍ في سعة الرزق وطول العمر.
عاد الزوجُ على جناح الفرح إلى المدينة، واكترى عشا جديدا للحياة الزوجية.
كنتُ جاراً لهما أيام دراستي بالكلية ،
كثيرا ما كنت أسمعها تعبّر لوالدتها عن فرحها بتبدل حالها ، وامتلاكها أشياء لم تكن تحلم بها : ثلاجة ، تلفاز ، هاتف محمول ، سرير كبير للنوم ... ، وتحكي لها عن بنات ونساء المدينة ، وزينتهن ... وعن كل شاذة وفاذة .
حين بعد حين ، صرت ألتقي بها على دَرَج السُّلَّمِ، وهي تحمل الغسيل، في الصُّعود أو الهبوط؛ امرأة سمراء جميلة ، تلوّح برأسها في ممشاها، وغالبا ما تدندن بأغاني بدوية مليحة .
همست عن إعجابي بصوتها لصديق لي، فأخبرني، على لسان زوجته، أنها ترقص أيضا رقصا ولا أروع . أما ضحكتها فكانت تلفت السمع بنبراتها التي تصيب الفؤاد في الصميم، وقد سمعت زوجها مرارا يخاصمها جراء ذلك .
صباح يوم عطلة انتهى إلى سمعي اهتزاز وأزيز، وصراخ زوجها مُتوعدا إياها شرًّا، فتوقفت لأسترق السمع.
قال:
- تحسست مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟
ردَّد كلامه مرات عدة ، ثم أضاف :
- ألا تسمعين ؟ هل أنت صمّاء؟
سألتُ نفسي مائة سؤال وسؤال. وقلت:
- آه، يا قلمي، هل أجد في جوابها قفلة مناسبة للقصة؟
انتظرت فترة حسبْتُها دهرا ، حتى خفت أن أكون قد ضيعت الجواب، فاقتربت قليلا من العتبة.
إذا به يعيد السؤال مرة أخرى ،
حينئذ ردت بنبرة كأنها تبكي ألحانَ شجنٍ، قالت :
- أتعي ما تقول يارجل ؟
كنت في المرحاض ... في المرحاض، أتسمع ؟
انتظرتُ خروج أحد الجيران، تأخَّر كثيرا حتى كدتُ أصرخ من شدة الآلام في بطني
[في قصة : (( أشواك ناعمة))]
[للأستاذ أحمد أبو ياسر/ المغرب ]
هذه الناقدة ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ما أثار انتباهي في هذا العمل النقدي الموفق ،هو معرفة بالناقدة والكاتب عن قرب ، من خلال قراءتي نقديا لنص من نصوصه ، اذ ترك في نفسي انطباعا رائعا ، وذلك لأن الطريقة التي ينهجها هذا القاص في الكتابة ، -أنه ينقل الاحداث للقاريء ويفجرها من الداخل بلغة سرد سهلة وبسيطة ، لكنها تفي بالواجب في هذا المجال ،يركز الأستاذ أحمد على القضايا الاجتماعية ، باسلوب مميز مستهدفا منه الكشف عن بعض الأمراض الاجتماعية التي تنخر مجتمعاتنا العربية ، ويظهر أنه يحترم طبيعة أبطال القصة القصيرة الذين يتقوقعون في دائرة التهميش والتأزم والاضطهاد الاجتماعي وغير ذلك ،ولعمري إنهم أبطال قصص كبار القصة القصيرة ، وأعتقد أن الأستاذة مجيدة السباعي ، لا تقل أهمية عن النحلة التي تبحث عن الرحيق الجيد في جميل الورود ، فاختيار النص للدراسة والتحليل النقدي ليس بالامر الهين أبدا لأنه يخضع للذائقة الفنية قبل ان يخضع للذائقة النقدية ، لأن الناقد قاريء يستوجب تفاعله مع النص شخوصا وأحداثا ، وهذه الميزة سبق أن أشرت إليها في قراءات الأستاذة مجيدة السباعي ،ذلك إنها تنصهر في بوثقة الشخوص ، وتنسجم مع أحداث النص إلى حد الحفظ وهذا يساعدها على تفكيك النص وهدمه وتجميعه واعادة بنائه بدقة متناهية ، إذ تشرح النص وتنحت على جسد ه لغتها بشكل موفق ! أتمنى للناقدة مسيرة نقدية موفقة ، فهي واصلة إن شاء الله لما لمسته فيها من جدية وإصرار على اختراق النصوص والابحار في متاهاتها من أجل البحث عن الدرر والجواهر ، كما أتمنى الأستاذ أحمد مسيرة سردية موفقة في كشف عيوب وأسرار هذا الواقع المتخن بالجراح !
تقديم بقلم صالح هشام ____________________________
[القراءة النقدية لنص :]
[أشواك ناعمة ]
تساعد قراءة النص قراءة تحليلية - نقدية على فهمه، لأنها تساعد على إثارة الانتباه إلى مكوناته مبنى ومعنى ، وإلى الصور الجمالية الثانوية فيه ، كما تفيد القراءة في فهم إيحاءات النص الظاهرة منها والمضمرة، الصريحة والموحى إليها ، ومن ثمة، تساهم في فتح الرسائل المتضمنة في عمقه، وقد تغوص في نفسية البطل أو الأبطال ، والمؤلف نفسه ، مما يفيد في إغناء النص ومنحه قيمة إضافية، ونفث روح جديدة في جسده فترحل به إلى عالم أكثر رحابة، وأطول عمرا، لأنها تستقطب قراءً جددا للنص ، غير الذين قرأوا النص نفسه، ويتجدد من ثمة ماء النص ودمه . وتكون القراءة مفيدة أكثر إذا كانت تتم من باب التفاعل مع النص والإعجاب به.
في هذا الشأن، يشرفني حقا أن أقف، مرة ثانية، أمام كاتب من مستوى الأستاذ أحمد أبو ياسر، في قراءة جديدة، أعترف أنها متواضعة وخجولة لنص شامخ ، عنوانه : ((أشواك ناعمة )).
لا يخفى على القراء أن لهذا القاص حضورا وازنا في فضاء السرد ، ويتميز في حضوره بأسلوبه الآسر السلس، ويبصم في كتاباته بصدق الحرف، وعمق الرؤى، ورونق الدلالة، وجميل الرسائل. يساعده في ذلك امتلاكه ناصية الحرف وقواعد اللغة، وقدرته على التعامل مع الكلمة، وتشكيل الجمل كما شاء ببساطة مذهلة، وبذكاء رائع، حيث يخرج القارئ في نهاية قراءته لأي نص من نصوصه بانطباع صار مألوفا عند القراء، من دون شك، وهو أن أسلوبه سهل ممتنع.
يمتلك هذا القاص، في الوقت نفسه، رؤى ثاقبة للواقع المعيش، فعينه عين الصقر، كما يقال، في التقاط المتناقضات، بالنظر لأوضاع الأبطال الذين استعان بهم في نصوصه والفضاءات الاجتماعية التي يحركهم بقلمه على خشباتها، كان من نصيبهم أن يشاركوا بأشواك الحياة، وأن تدميهم عذاباتها، رغم مكابدتهم للتكيف مع أوضاعهم، سواء أكانوا من الفئات البسيطة أم من الطبقات العليا.
بعين الصقر، من هنا وهناك، يلتقط القاص أحمد أبو ياسر مواضيع أقاصيصه، ثم يغزلها بسرد جميل أخاذ، واضعا لكل قصة مقصدا ساميا ، لأن كل النصوص التي قرأتها له لها رسائل تدعو للتأمل والإنصات، والتحسيس، والتنوير؛ وتلك هي أسمى رسائل الأدب والعلوم الإنسانية.
فماذا عن : ( أشواك ناعمة) ؟ هل هناك أشواك ناعمة ؟ إنه العنوان الذي اختير بعناية فائقة، لهذا النص، وظفه الكاتب كرمز دال لغاية تخدم عمق القصة ... عنوان من كلمتين متنافرتين، و دلالتهما غير منسجمة ، الأول سلبي ( أشواك) والثاني إيجابي ( ناعمة) ، مما يثير في ذهن المتلقي تساؤلات وتساؤلات عن سر الجمع بين طرفي نقيض في عنوان القصة ، إنه ولا شك استفزاز استراتيجي ، من النوع المحبب، لأنه يدفع القارئ إلى القراءة (أشواك ناعمة) أيضا كلمتان تصرخان بالبساطة، لكن ظاهريا وحسب، لإن دلالتهما في النص تتجاوز البساطة المألوفة ، وتتمدد لتشمل دلالاتهما الرمزية ، لأن الأمر يمس أحاسيس أناس يضاجعون الأشواك والنعومة، فكان المطلوب أن يجمع بينهما العنوان ، إنها دلالة الرمز حين يكون حمالا لواقع مر ، حيث تتجاوز اللغة البسيطة نفسها فتستدعي التركيب كما في : أشواك ناعمة... وباختصار إن اختيار العنوان لم يكن سهلا أبدا .
في (أشواك ناعمة) بالذات البطلة بدوية بهية، اشتدت رغبتها في الخلاص من عُتي العيش في البادية ، فألقت بنفسها بين يدي رجل لتسكن عالم المدينة، تحسب أن هذا الزواج منقذ لها، (( أومأت برأسها تعبيرا عن قبولها بالذي طلبها للزواج، رغم اعتراض والدها، بدعوى أن الرجل ليس له عمل قار)). غضت الطرف أو ربما تعامت ف ((وافقت على أملٍ أن تتخلص من متاعب المرعى وأشواك الحطب والمحْطَب، وبِرجاءٍ في سعة الرزق وطول العمر)) . جراء صدمة النشوة، طار الزوج ((... على جناح الفرح إلى المدينة، واكترى عشا جديدا للحياة الزوجية)). ومن حسن حظ القاص، أو كما حلا له أن يوهمنا، وهو يعارك ويكابد مشاق الكتابة، أن الوافدة الجديدة اكترى لها زوجها سكنا في العمارة التي يقيم بها ، فصار جارا لها.
وماذا بعد ؟ الذي حدث أنه، كما يقول الكاتب عن نفسه (( كثيرا ما كنت أسمعها تعبّر لوالدتها عن فرحها بتبدل حالها، وامتلاكها أشياء لم تكن تحلم بها: ثلاجة ، تلفاز، هاتف محمول، سرير كبير للنوم ... وتحكي لها عن بنات ونساء المدينة، وزينتهن... وعن كل شاذة وفاذة )) . هكذا صار يسمع كلامها وحواراتها وهي تحكي عن حياتها الجديدة لوالدتها، ثم ((حين بعد حين )) يخبرنا أنه صار يلتقي (( بها على دَرَج السُّلَّمِ، وهي تحمل الغسيل، في الصُّعود أو الهبوط))، لفتت أنوثتها انتباهه (( امرأة سمراء جميلة، تلوّح برأسها في ممشاها، وغالبا ما تدندن بأغاني بدوية مليحة )). إنه الإعجاب الذي فاض به نبضه ، ولم يتمكن من إخفائه فباح به إلى صديقه بما يلي: (( همستُ عن إعجابي بصوتها لصديق لي، فأخبرني، على لسان زوجته، أنها ترقص أيضا رقصا ولا أروع . أما ضحكتها فكانت تلفت السمع بنبراتها التي تصيب الفؤاد في الصميم، وقد سمعت زوجها مرارا يخاصمها جراء ذلك . أليس هذا دليل اهتمام من قبل الكاتب بالقادمة الجديدة ؟ كل كلامه يوحي بذلك، حتى أنه وجد نفسه متورطا، وصار يسترق السمع لحواراتها مع زوجها، واستغل منها حوارا ساخنا ، كي يمهد به لنهاية القصة، فكتب على لسان الزوج نفسه : ((تحسستُ مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟ ردَّد كلامه مرات عدة، ثم أضاف : ألا تسمعين ؟ هل أنت صمّاء؟)) إنه السؤال القفل، سؤال القصة كلها، سؤال القضية برمتها، سؤال الحياة، وهو السؤال الذي ترتب عنه جواب كالصاعقة في قول المرأة (( أتعي ما تقول يارجل؟ كنت في المرحاض ... في المرحاض، أتسمع؟)). ليس هذا فحسب ، بل يضيف الكاتب صاعقة ثانية بعد الصاعقة الأولى : (( انتظرتُ خروج أحد الجيران، تأخَّر كثيرا حتى كدتُ أصرخ من شدة الآلام في بطني ))، هنا نفهم ، لأول مرة، أن المرأة الجميلة أسكنها بعلها في غرفة واحدة، وأن المرحاض مشترك بين الأسر التي تسكن الغرف الأخرى في الشقة المشتركة. إنها قضية النص الكبرى أو ما يسمى في القصة القصيرة بالعقدة، وعنها تفرعت كل قضايا القصة الثانوية والهامشية، إنها القضية التي أطلق عليها الكاتب اسم : أشواك ناعمة ، مقارنة بأشواك البادية الدامية، إنها قضية سكنى أسرة في غرفة واحدة بشقة من غرف عدة ومرحاض مشترك. وعن هذه القضية تفرعت قضية أخرى من قبيل الشك في عفة المرأة في ظل وضع مزر رشح في (( مرحاض مشترك)) بالليل كما النهار ، وإهانتها المعبر عنها في المثل الشعبي ( قبلنا على الهم والهم ما قبل علينا). في النص أيضا قضية تنبيه إلى أن ضعف الحيلة قد توقع المرء في مهب الريح، ولا ينفعه التشبث بريشة لا تنفع مع التيار الجارف... على غرار الزواج فقط للهروب من بيت إلى بيت آخر، كما حال المرأة هنا، حتى إذا انهار حلمها وجدت نفسها كالفراشة التي انجذبت بقوة النور الوهاج، لكن لاهي نعمت بالنور، ولاهي قادرة على الخلاص بنفسها والتراجع ، لأن النور كان محاطا بالأشواك، بل وجدت تلك الفراشة نفسها ، وهي التي تهوى الغناء والرقص، تهوي صريعة إلى الدرك الأسفل ، حين تحولت في نظر الشريك إلى شيطانة (( تحسست مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟ )). وهكذا تصير الحكاية حكايات ، والقصة قصصا ، تبكي حروفها ألحان شجن بعيون أنثى مقهورة ... كل سمات القهر.
بذلك، يتضح أن قراءة النص لا تنتهي بعد أن تنتهي هذه القراءة، لأن القارئ يبدأ قراءة أخرى حين يبدأ التفكير في قضايا النص ، وتلك هي سمات النص الناجح لأنه يجعل القارئ مرتبطا به يفكر في تبعاته، يتفاعل مع قضاياه حتى حين ينتهي من القراءة الأولى، تماما كما حدث لي ، حيث بلغ التفاعل إلى الشروع في كتابة هذه القراءة ، وهي بالضرورة ليست كالأولى ولكنها امتداد لها .
إن ما يحقق استمرار الارتباط بين النص والقارئ هو النص نفسه، وهو هنا في (الأشواك الناعمة) مغزول بحبكة ، لفظا ومعنى، كما تقدم، على أن أهم ما لفت انتباهي كثيرا فيه هو المناورة في الكتابة، وهذا شيء أعشقه ، ويعشقه عشاق الأدب الجميل، لذا راقني جدا إقحام صاحب النص للذات الكاتبة في نسيج الاحداث، و هذا من سمات الأدب الرفيع حيث يتجاوز المألوف ليصنع البهاء والمتعة ، وذلك أيضا من سمات الأديب الذكي أيضا ((سألتُ نفسي مائة سؤال وسؤال. وقلت: آه، يا قلمي، هل أجد في جوابها قفلة مناسبة للقصة؟ انتظرت فترة حسبْتُها دهرا ، حتى خفت أن أكون قد ضيعت الجواب، فاقتربت قليلا من العتبة. إذا به يعيد السؤال مرة أخرى ))، إنه استعمال موفق ومشوق لتقنيات السرد الحديث التي تقطع حبل السرد المتسلسل بتدخل مباشر للسارد . أعجبتني أيضا وكثيرا فكرة أن يكون الراوي للحدث هو الجار وفي نفس الوقت الكاتب نفسه ، وهذا أسلوب عالمي في حد ذاته ، فهو هنا يدعو القارئ للانسجام مع الراوي، والاستماع لحكيه، متعمدا أن يقطع حبل القص التقليدي- الرتيب بتدخله المباشر. حتما هذا يثير فضولا جميلا، وتركيزا قويا ، و تقنية ذكية.
أما القفلة التي أتى بها السارد، وهي عنصر هام في هذا الفن كما هو معروف، فكانت ناجحة جدا لأنها جاءت عكس أفق انتظار القارئ ، بل مفاجئة لكل توقع، وفي الآن نفسه صادمة.
هكذا تجري الأحداث وتتسابق القضايا في أقصوصة متميزة ، بأدوات متناغمة مع موضوعها ، لغة وأسلوبا . إلى ذلك ، إن النص ينبض بالأحاسيس، يثير الانتباه إلى أحوال الناس البسطاء الباحثين بشق الأنفس عن حياة كريمة ، يعني أنه من صنف الأدب الهادف.
أشهد أني قرأت هنا إبداعا من طينة إبداعات نجيب محفوظ وعبدالكريم غلاب ومحمد شكري ، وكثير من ذوي الأقلام التي تصدت للحديث عن المجتمع وتناقضاته بأسلوب نسميه عادة : السهل الممتنع، لكن ببصمة خاصة هي بصمة أديب باسم جديد هو : أحمد أبو ياسر . دمت مبدعا أيها القاص، وشكرا لك على الإمتاع اللامتناهي.
أتمنى أن أكون موفقة ...
بقلم الناقدة : مجيدة السباعي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
[أشواك ناعمة / قصة قصيرة ]
[للقاص : احمد ابو ياسر]
أومأت برأسها تعبيرا عن قبولها بالذي طلبها للزواج، رغم اعتراض والدها، بدعوى أن الرجل ليس له عمل قار.
لكن البنت وافقت على أملٍ أن تتخلص من متاعب المرعى وأشواك الحطب والمحْطَب، وبِرجاءٍ في سعة الرزق وطول العمر.
عاد الزوجُ على جناح الفرح إلى المدينة، واكترى عشا جديدا للحياة الزوجية.
كنتُ جاراً لهما أيام دراستي بالكلية ،
كثيرا ما كنت أسمعها تعبّر لوالدتها عن فرحها بتبدل حالها ، وامتلاكها أشياء لم تكن تحلم بها : ثلاجة ، تلفاز ، هاتف محمول ، سرير كبير للنوم ... ، وتحكي لها عن بنات ونساء المدينة ، وزينتهن ... وعن كل شاذة وفاذة .
حين بعد حين ، صرت ألتقي بها على دَرَج السُّلَّمِ، وهي تحمل الغسيل، في الصُّعود أو الهبوط؛ امرأة سمراء جميلة ، تلوّح برأسها في ممشاها، وغالبا ما تدندن بأغاني بدوية مليحة .
همست عن إعجابي بصوتها لصديق لي، فأخبرني، على لسان زوجته، أنها ترقص أيضا رقصا ولا أروع . أما ضحكتها فكانت تلفت السمع بنبراتها التي تصيب الفؤاد في الصميم، وقد سمعت زوجها مرارا يخاصمها جراء ذلك .
صباح يوم عطلة انتهى إلى سمعي اهتزاز وأزيز، وصراخ زوجها مُتوعدا إياها شرًّا، فتوقفت لأسترق السمع.
قال:
- تحسست مكانك بعد الفجر فلم أجدك ، أيتها الشيطانة ؟
ردَّد كلامه مرات عدة ، ثم أضاف :
- ألا تسمعين ؟ هل أنت صمّاء؟
سألتُ نفسي مائة سؤال وسؤال. وقلت:
- آه، يا قلمي، هل أجد في جوابها قفلة مناسبة للقصة؟
انتظرت فترة حسبْتُها دهرا ، حتى خفت أن أكون قد ضيعت الجواب، فاقتربت قليلا من العتبة.
إذا به يعيد السؤال مرة أخرى ،
حينئذ ردت بنبرة كأنها تبكي ألحانَ شجنٍ، قالت :
- أتعي ما تقول يارجل ؟
كنت في المرحاض ... في المرحاض، أتسمع ؟
انتظرتُ خروج أحد الجيران، تأخَّر كثيرا حتى كدتُ أصرخ من شدة الآلام في بطني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق