الرفيق ديونيسوس
لمّا ارتشف الليلُ أساه، تدثّر بملاءة سنواته الموحشة، يفيض وجعاً حدّ الثمالة، حدّق في غرفته البائسة، لا شيء سوى جدران متآكلة، نافذة خشبية، فراش تنزّ منه رائحة الموتى، أشياء رافقت رحلته مذ كان هو، تعبث بعزلته مع صفير الريح كلّ ليلة، حتى جفّ خياله من فرط التكرار، نهيق خفيض يسقط من سقف الغرفة، يطنّ في رأسه، يقطع صمته، الصوت يؤرقه بين الحين والآخر، ينبعث من عرض الخرابة الغافية على صدأ غرفته البائسة، ينتابه النعاس، يغمض عينيه لعلّه يغفو على حلم جميل يطفئ وجع وحدته، رائحة ضجر وقلق تنساب إلى أعماقه مع حشجرة النهيق، أصداؤه الخافتة تنبعث مع رائحة الروث وعفونة المكان، ابتلع حيرته:
– لعلّه هو، لم يعجبني حاله، لقد أصابه العجز.
رمق الليل بنظرة شاحبة، عرّج بمقلتيه في زوايا الغرفة، ارتشف ما تبقّى من عرق ليلته الممزوج بثلج أوجاعه، اتّزر بمعطف سكره وبلاهته، وراح يجرجر خطواته صوب رفيقه الدائم، أنيسه وحامل مشقته، يجرفه الصوت نحو الخرابة، الظلام يلهث خلفه، أمسكَ ظلّ الصوت، رآه على غير عادته ممدّداً بين العربة الخشبية وقناني الغاز، أصابه الذهول لمّا رآه يدور في دوامة الاحتضار، يكاد يختنق بنهيقه، يفترش القشّ، يؤلمه ما يرى، عيناه متدثّرتان بنصف إغماضة، يرقد فيهما عتب شديد:
- آه يا صاحبي، أعلم أنّي أهملتك كثيراً، سامحني، سأناديك الليلة كما يحلو لمجنون السوق أن يناديك.... ديونيسوس*.
تخزه عيناه مرة أخرى بوابل من النظرات كما أشواك الصبير، تذكّر كيف كانت أقدامه تلتهم الطريق، حتى مجنون السوق يقبل إليه بلهفة، يناديه عن بعد:
- أهلاً ديونيسوس، أهلاً بإله الخمر...
ثم يتحسّس شعر رقبته، حمار بائع الغاز يهزّ رقبته كلّما أقبل عليه المجنون، كأنهما حميمان التقيا بعد فراق طويل، بينما أغلب المارّة يضحكون بصوتٍ عالٍ للمشهد الذي كاد يتكرر كلّ يوم.
- ديونيسوس، أرجوك لا تمت، أعلمُ جيداً أنّ سوطي يتوسّد جراحاتك، عذراً لك.
انتصبت أذناه، كأنه يصيخ السمع له.
- ديونيسوس، أيّها الرفيق الدائم، لقد تحمّلتَ مرارة رفقتي، أنت تعلم أنّنا جزء من مشهد لم نختره، سنكون قصة منسية.
وقبل أن يغطّ في موته، بعثرته نظرة شاردة تحمل جراح السياط ووجع عتب السنين، انحنى لهباب الجسد المسجّى، لمسّ عينيه بأنامله المرتعشة، استوطنته موجة حزن، يهشّ صمت الليل بحسرات ويمضي.
في الصباح يندسّ بين أطراف العربة الخشبية، يمدّ ذراعيه إلى الخلف، يمسك بهما، ينحني، يدفع بقدميه الأرض، ينطلق في غيابة يوم آخر، مختزناً ظلّ حوافر ديونيسوس الخافتة، المنبثقة من تحت أقدامه، يطارده صدى النهيق، يلثم خطواته بدمع وجعه، يقطع الأزقة لاهثاً:
- غاز... غاز... غاااااااااااااز.
____________________________________________________* ديونيسوس: إله الخمرة عند اليونانيين القدماء، وقد ارتبط اسمه بالحمار.
لمّا ارتشف الليلُ أساه، تدثّر بملاءة سنواته الموحشة، يفيض وجعاً حدّ الثمالة، حدّق في غرفته البائسة، لا شيء سوى جدران متآكلة، نافذة خشبية، فراش تنزّ منه رائحة الموتى، أشياء رافقت رحلته مذ كان هو، تعبث بعزلته مع صفير الريح كلّ ليلة، حتى جفّ خياله من فرط التكرار، نهيق خفيض يسقط من سقف الغرفة، يطنّ في رأسه، يقطع صمته، الصوت يؤرقه بين الحين والآخر، ينبعث من عرض الخرابة الغافية على صدأ غرفته البائسة، ينتابه النعاس، يغمض عينيه لعلّه يغفو على حلم جميل يطفئ وجع وحدته، رائحة ضجر وقلق تنساب إلى أعماقه مع حشجرة النهيق، أصداؤه الخافتة تنبعث مع رائحة الروث وعفونة المكان، ابتلع حيرته:
– لعلّه هو، لم يعجبني حاله، لقد أصابه العجز.
رمق الليل بنظرة شاحبة، عرّج بمقلتيه في زوايا الغرفة، ارتشف ما تبقّى من عرق ليلته الممزوج بثلج أوجاعه، اتّزر بمعطف سكره وبلاهته، وراح يجرجر خطواته صوب رفيقه الدائم، أنيسه وحامل مشقته، يجرفه الصوت نحو الخرابة، الظلام يلهث خلفه، أمسكَ ظلّ الصوت، رآه على غير عادته ممدّداً بين العربة الخشبية وقناني الغاز، أصابه الذهول لمّا رآه يدور في دوامة الاحتضار، يكاد يختنق بنهيقه، يفترش القشّ، يؤلمه ما يرى، عيناه متدثّرتان بنصف إغماضة، يرقد فيهما عتب شديد:
- آه يا صاحبي، أعلم أنّي أهملتك كثيراً، سامحني، سأناديك الليلة كما يحلو لمجنون السوق أن يناديك.... ديونيسوس*.
تخزه عيناه مرة أخرى بوابل من النظرات كما أشواك الصبير، تذكّر كيف كانت أقدامه تلتهم الطريق، حتى مجنون السوق يقبل إليه بلهفة، يناديه عن بعد:
- أهلاً ديونيسوس، أهلاً بإله الخمر...
ثم يتحسّس شعر رقبته، حمار بائع الغاز يهزّ رقبته كلّما أقبل عليه المجنون، كأنهما حميمان التقيا بعد فراق طويل، بينما أغلب المارّة يضحكون بصوتٍ عالٍ للمشهد الذي كاد يتكرر كلّ يوم.
- ديونيسوس، أرجوك لا تمت، أعلمُ جيداً أنّ سوطي يتوسّد جراحاتك، عذراً لك.
انتصبت أذناه، كأنه يصيخ السمع له.
- ديونيسوس، أيّها الرفيق الدائم، لقد تحمّلتَ مرارة رفقتي، أنت تعلم أنّنا جزء من مشهد لم نختره، سنكون قصة منسية.
وقبل أن يغطّ في موته، بعثرته نظرة شاردة تحمل جراح السياط ووجع عتب السنين، انحنى لهباب الجسد المسجّى، لمسّ عينيه بأنامله المرتعشة، استوطنته موجة حزن، يهشّ صمت الليل بحسرات ويمضي.
في الصباح يندسّ بين أطراف العربة الخشبية، يمدّ ذراعيه إلى الخلف، يمسك بهما، ينحني، يدفع بقدميه الأرض، ينطلق في غيابة يوم آخر، مختزناً ظلّ حوافر ديونيسوس الخافتة، المنبثقة من تحت أقدامه، يطارده صدى النهيق، يلثم خطواته بدمع وجعه، يقطع الأزقة لاهثاً:
- غاز... غاز... غاااااااااااااز.
____________________________________________________* ديونيسوس: إله الخمرة عند اليونانيين القدماء، وقد ارتبط اسمه بالحمار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق